الثالثة تيفي

مواقف و قضايا

حوارات وتقارير

عرب وعجم

عبدالرحمن الراشد: قفاز الحرير… المملوء دوما بالمسامير!

أول أمس الخميس، ظهر أمام عدسات الكاميرا والفلاشات الفضية، بثوب ناصع وغترة بيضاء وبوجه حليق معجون بماء الرضا والبراءة. يتنفس هدوءا، ويزفر تهذيبا، وعلى محياه كعادته دوما ابتسامة طفل شقي!.

لم يكن ظهور عبدالرحمن الراشد مدير عام قناة العربية في حفل مراسم توقيع شراء مجموعة MBCلحقوق نقل المسابقات الرياضية السعودية أمس في الرياض عاديا، أو مبررا لولا أن للرجل دور فعال (خلف الكواليس كعادته) في إتمام الصفقة الكبيرة التي تقضي بدفع مجموعة MBC مليون ريال يوميا لصالح صندوق الاتحاد السعودي لكرة القدم، ولعشر سنوات قادمة.

لم تكن قنوات التلفزيون السعودي “الرياضية” أول ولا آخر ضحايا قفازه الحريري المحشو دوما بالمسامير!. المثير هنا، أن ضربته هذه المرة لم تسقط ضحية واحدة فقط، بل كانت من القوة بمكان، أنها أطاحت بسلة رؤوس مختلفة الأوزان من الثقيل، الى الريشة؛ مجموعة روتانا، وأوربت، ولاين سبورت الذين تحطمت آمالهم معا على الحلبة.

من ينسى ضربة قفاز الراشد الخطافية والقاضية للقناة الاقتصادية CNBC العربية في مطلع الألفية الثالثة؟. ومن لم ولا يتابع ــــ حتى اليوم وغدا ــــ جولات وصولات أكبر معاركه اليومية مع منافسه الشرس قناة الجزيرة؟.

لا بد من تلخيص بسيط هنا يوضح مناخ المجال الرياضي في المنطقة. كانت ولا تزال بطولات الدوري السعودي الكبرى هي بيضة القبان للرياضة الخليجية والعربية. كانت قناة الجزيرة تمنى النفس بالحصول على هذه الدجاجة التي تبيض ذهبا، مهما كلف الأمر. خاصة وأن مجموعة ART المملوكة لشاهبندر التجار صالح كامل حصلت على حقوق بث الدوري السعودي لثلاث سنوات،  لكن توجه الجزيرة السياسي ومنهجها المضاد للمملكة شكل عائقا يجعل من مجرد التفكير في الأمر دونه خرط القتاد.

كانت مجموعة أوربت، والقنوات الرياضية لتلفزيون أبو ظبي وإمارة دبي، تسعيان أيضا للحصول على هذه الدجاجة منذ سنوات، لحقت أخيرا قنوات إن سبورت للدخول في هذا السباق بلا أمل كبير.

منذ أعوام، تسربت أنباء عن عزم العربية على استحداث قناة رياضية في مجموعة MBC وظهرت لمسات تشير إلى أن عبدالرحمن الراشد يقف خلف فكرة هذه  القناة. المعلومات هنا غير مؤكدة، رغم أنها من مصادر مطلعة. لكن، تأكد حينها أن الذئب لا يركض عبثا، وأن ثمة ضحية قادمة ستلقي على حلبة الملاكمة منديلها الأبيض لا محالة، وهو ما كان.

ربما توهم المراقبون أن الأحداث السياسية المتلاحقة في المنطقة ستلقي بظلالها على فكرة القناة الرياضية، وأنها ستؤجل الولادة المنتظرة، بعد أن تمخضت MBC قبلها وأنجبت قناة “الحدث”، كطفل خديج. لكن المتابعين كانوا يراقبون على الدوام الحمل الصحيح، لقناة رياضية منتظرة ـــ لا مجموعة قنوات كما ظهر مؤخرا ـــ وأن الطفل المنتظر لازال يتخلق في ظلمات رحم المجموعة من دون أن يقدر أحد متى موعد سماع صرخة الولادة وخروج المولود الجديد إلى الحياة، حتى سمع الجميع رسميا صرخة الحياة يوم الخميس السابع من أغسطس الجاري.

قصة الراشد مع قناة CNBC العربية أشهر من أن يشار إليها. كانت القناة الاقتصادية تسحب بساط وعيون المشاهدين من كل الفضائيات بهدوء بفضل قدرتها المميزة على تغطية ومتابعة تداول سوق الأسهم السعودي لحظة بلحظة. كانت شاشتها بحق هي سيدة الشاشات الفضائية في فترتي الصباح وبعد الظهيرة.

لم يرق الأمر له ولا لمجلس إدارة المجموعة أيضا. ولا يعلم إلا الله والراسخون في العلم ماذا فعل الراشد وماذا خطط وكيف دبر الأمر. أثبت أنه الفتى الذهبي الذي يعرف من أين تؤكل الكتف الفضائية. وفجأة سدد بقبضته الحريرية لكمة المسامير القاضية. ترنحت فورا CNBC بمجرد ظهور كل وجوهها “صبا عودة، نادين هاني و لارا حبيب” وهم حينئذ أهم رموز ضحيته، وكرس حضورهم طوال ساعات التداول الصباحية على شاشة العربية.

وطفق عبدالرحمن، يخصم ويحذف كل برنامج صباحي آخر، بلا رحمة أو عاطفة أو تسامح. هيأ المسرح للنجوم الجدد، وفسح المجال للغة الاقتصاد والبنكنوت التي يعشقها. لقد قرر الراشد أن يوصي بشراء “الجمل بما حمل”، وسرعان ما حصل على حزام البطولة والمشاهدة معا!.

الانخراط في خدمة بلاط الصحافة السعودية في الداخل والخارج معا، يشبه إلى حد كبير العمل كمهندس شبكات كهربائية. خطأ واحد، بقصد أو بدونه، لا يلبث الصحافي بعده أن يجد نفسه مصعوقا، خارج حيز الزمان والمكان، تتصاعد من أطرافه أبخرة الاحتراق والفناء.

على مدى ثلاثة عقود ظل عبد الرحمن الراشد، مدير عام قناة العربية، يرتقي صعودا كل سلم ينصب أمامه، بلا كلل أو ملل ليتم مهمة نشر عناقيد القناديل الملونة، ومصابيح أعمدة الإنارة، ليضيء دروب وتلافيف زوايا شارع الصحافة في السعودية.

هذا الشارع كان ولا زال مرتاديه في أمس الحاجة إلى كل قبس من نور يحمل بصمة هذا المهندس الذي أبيض شعره، كراهب منقطع، في خدمة النور الإعلامي لبلده الكبير.

في مجلة أو جريدة أو قناة، كان عبدالرحمن الراشد صحافيا نسيج وحده. لا يخلو جسمه النحيل من عبقرية تجري في دمه محملة بـ كروزومات الدهاء، وخلايا المكر، وصفائح القدرة على اللعب بالبيضة والحجر معا.

كان دوما وأبدا الخيار الأول والأخير عند رؤسائه وأعضاء مجلس الإدارة. فإذا ما حزب الأمر، وحانت لحظة الاختيار، كان عبدالرحمن هو السهم المعلى في الولاء، والورقة الرابحة في العطاء، والجوكر الذي لا يخيب أصابع حامله أبدا.

كانوا يعلمون أن لكل عبقري يفري فريه ضريبة باهظة، وكانت ضريبته على الدوام، أقل شأنا من أن تذكر. فهو صنف نادر ينطبق عليه القول (ما خف وزنه، وغلا ثمنه). تتقاطع في موهبته كل متناقضات العبقرية، فهو يملك القدرة على إشعال أكبر الحرائق في أثواب وساحات خصوم مبادئه وقناعاته، وهم كثر.

لا يجيد أحد قدرته الفريدة في كتابة الجملة الصحافية القصيرة، ولا قدرة التقاط أفكار مقالاته السياسية وتأثيرها، إنها بحق تماثل قدرة كتيبة مدفعية وراجمة صواريخ لا ترحم. وبعد أن ينهي مهمة كتابة مقاله في أقل من 500 كلمة، تجده دوما، في مزاج رائق واضعا قدما على الأخرى، بوجه معجون بماء الرضا والبراءة. يتنفس هدوءا، ويزفر تهذيبا، وعلى محياه دوما ابتسامة طفل شقي!.

محبوه لم يرصدوا له طوال تاريخه المهني، سوى هفوات معدودة، يرونها شاذة تؤكد رسوخ إيمانهم في قاعدة قدراته الخارقة. وكان عبدالرحمن الراشد يقدم دوما الدرس تلو الآخر لنظرائه، متحملا كامل المسئولية، ولا يجد في نفسه غضاضة من تقديم استقالته، ثمنا لأي خطأ وقعت فيه قناة العربية، وآخرها في نهاية العام 2010 قبل أن يتم رفضها وتجديد الثقة به، مرة أخرى.

في المقابل، يراه خصومه على الدوام، أنه مخلب الشيطان، وعين الغول التي تسبر أغوار خفايا أنفسهم، ورأس التنين الشرير الذي ينفخ النار في وجه مخططاتهم، وأن كل حرف يكتبه، أو لقطة يبثها، تعري وجوه هواجسهم من أقنعتها، وتؤذيها ألما حتى العظم.

ومع ذلك، يشهد تاريخ عبدالرحمن الراشد أنه كان دوما يقفز من بين الأسلاك العارية، وأبراج الضغط العال، بمرونة تثير مشاعر الغبطة والإعجاب، وربما حسد كثير من رفاق المهنة في الداخل والخارج. وكانت رشاقته توغر صدور كارهيه بسخائم الحنق ومطارق الغيظ، ويصبرون أنفسهم دوما بأمنية واحدة؛ حركة خاطئة منتظرة، لينصبوا له بعدها حفلة شواء على سفود من النار والشنار، ليركلوا الأرض حول قيوده ويولولون بغطاريف النصر وصرخات التشفي، كقبيلة من آكلة لحوم البشر!.

من النادر أن يدلي الراشد بدلوه في بئر احباطات الصحافة المحلية الجاف. شعاره دوما ” أنا رب إبلي…”. وكان على الدوام كجمّال حذق، وسايساً ماهرا يعرف قراءة الكثبان العالية، ونقاط كسر هبوب عواصف الصحراء، ليصل بقافلته إلى برّ خمائل الواحات الخضراء، حيث الخصب والأمان.

لم يجاهر قط بوضعية الهجوم، ولا يميل إلى قذف القفازات في وجه الخصوم. يروقه دوما، وهذا سرّ قوته، أن لا يفقد زمام السيطرة وقيادة الموقف. وعندما يشتد حمى الوطيس، ويضطر للدفاع عن حماه المقدس يبدوا قاسيا كقرن وعل، ويسدد ضرباته القاتلة بقفاز من حرير، لكنه محشوا دوما بالمسامير.

ولله والتاريخ، كان عبدالرحمن الراشد من أوائل الصحافيين السعوديين الذين قرأوا بعمق الخط الإصلاحي الذي رسمه الملك عبدالله بن عبدالعزيز منذ تسلمه دفة قيادة البلاد في العام 2005م. ومنذ اللحظة الأولى أعتمد في إدارته لسياسة تحرير قناة “العربية” على تطبيق رغبة القيادة السعودية في الانفتاح على الآخر، وجاهد كصحافي حق الجهاد في أن تبدو المملكة وذراعها الإعلامي الفضائي منفتحة، هي أيضا، مع نفسها ومع الآخرين.

يقول عمر الأنصاري وهو صحافي إعلامي عمل لسنوات في مدينة دبي الإعلامية ” إن عبدالرحمن الراشد أشاع روحا من الثقة داخل فريق العمل في قناة العربية، وأن جميع موظفيها يعلمون أن قائدهم ليس رجلا منفتحا وحسب، بل هو مؤمن بذلك كعقيدة”.

أضاف: ” دائما ما كان يردد الراشد على مسامع الجميع أنه لابد من دفع فواتير سياسة الانفتاح، وأنه لا مناص من الاستمرار في محاورة الآخرين”. وزاد: “كان هاتفه النقال لا يهدأ أبدا من تلقي سيل الاتصالات، والرد على كل شاردة أو واردة من محتويات برامج القناة، وكان يتحمل السياط من كل حدب وصوب بصبر المؤمن بقناعته، والرد عليها بهدوء وثقة ومودة، برغم آلامه النفسية”.

في الربع الأول من العام 2004 ومع أول خطوة قادته إلى داخل عرين قناة العربية، ركز عبدالرحمن الراشد على لملمة شتات توجهات الفضائية الإخبارية الجديدة. وقام يما يشبه محاولة انتحارية لتحويل أبصار الناطقين بالعربية إلى شاشته الجديدة.

وجد أنه من الناجع فتح المايك وشاشة البث أمام جميع الأطراف المعنية في عناوين الأخبار. وجاهد بصلابة لاعتناق خط السياسة الخارجية لبلاده، والنأي بقناته عن تبني أو تلوين الأخبار بمؤثرات عقدية أو فكرية قدر الإمكان، برغم اتهام خصومه الدائم له بالعلمنة واللبرلة والتجديف الدائم ضد الثوابت والأصول الإسلامية.

وفي الوقت الذي احتاجت السعودية إلى إقناع 32 دولة لتحرير دولة الكويت من غزو العراق 1990، لم تحتاج الرياض إلى أكثر من عبدالرحمن الراشد، خلفا للإعلامي الأردني صالح القلاب ـ بعد عام تقريبا من إنشاء القناة في مارس 2003م ـ ليواجه غزو قناة الجزيرة التي أثخنت الجراح في الصورة الذهنية الناصعة للشقيقة الكبرى.

لم يخب الراشد حسن الظن والثقة به، وقال: هم رجال ونحن رجال؛ قناة بقناة، وشاشة بشاشة!. وسرعان ما قرأ مكامن القوة ليس في الجزيرة وحسب بل وفي القنوات المنافسة كلها، ليصنع من العربية قناة “كوكتيل” يصبها في كؤوس مشاهديه على مدار الساعة، ليشربها كل محب وكاره!..

سياسيا كانت الجزيرة القطرية منذ إنشاءها وحتى زوبعة الربيع العربي هي المسيطرة على كلّ أخضر ويابس في شارع الإعلام الفضائي العربي، واقتصاديا كانت قناة CNBC العربية المرجع الأول لكل المتعاملين في سوق الأسهم السعودية أكبر الأسواق المالية في المنطقة قاطبة، وكانت الثقافة، والفنون والبرامج الدينية، والرياضية الناجحة، كلأ متاحا لكل القنوات الفضائية التي تملأ السماوات العربية، إلى أن حسمتها الجزيرة الرياضية، وبقبضة من حديد بمجموعة BEIN SPORT.

في أواخر العام 2004 عرف الراشد أنه في حاجة إلى كوادر سعودية مؤهلة، تعينه على تنفيذ وتكريس سياسته وخططه الجديدة على مناخ وأجواء العمل داخل القناة الوليدة. وطفق يشكو مرّ الشكوى، في حوارات إعلامية قليلة، من ندرة الكفاءات والكوادر السعودية الشابة، وأنه يبحث بدأب شديد عن وجوه صحافية لمنحها الفرصة في القناة السعودية التي تبث من الخارج.

يومها وجد بعض خصومه الفرصة للرد عليه والتشفي منه، وقالوا “يداك أوكتا وفوك نفخ يا عبدالرحمن… “. وأن جفاف الكوادر الوطنية، هي حصاد ما جنت يداه في مجلة المجلة، وصحيفة الشرق الأوسط طوال نحو عشرون عاما. وسرعان ما تندروا على طلبه الغريب، ومحاولته التنصل عن جلبابه وقناعه القديم.

كانوا يتهمون الراشد دوما بأنه أحد أكبر المصانع المنتجة للمضادات الطاردة لكل كفاءة سعودية تقترب من حماه، وأنه كان حريصا، وبشراسة، على وضعها بمسافة ألفي ميل على الأقل من كرسي قيادته في شارع (فلييت إستريت) أشهر شارع للصحافة (سابقا) في العاصمة البريطانية لندن.

جاء الرد سريعا، فبعد أيام من بداية العام 2005م، أستقبل مطار دبي الدولي، طلائع الدفعة الأولى، رجالا ونساء، من الأقلام الصحافية الشابة في السعودية. وما هي إلا شهور قليلة، حتى ظهرت وجوه بملامح سعودية تغزو الشاشة ليلا ونهارا، يبحثون عن النجاح والنجومية على يد أكبر جواهرجي عرفه الإعلام التلفزيوني في السعودية.

صحيح لم يتزوج عبدالرحمن الراشد، لكنه للإنصاف والحقيقة، أنجب للساحة الصحافية والإعلامية السعودية والعربية ذرية مهنية وجيل صالح تبناها بعين العناية والاهتمام لتكون يوما قادرة على دفة قيادة المؤسسات الإعلامية والصحافية في المستقبل، وإشعال المزيد من عناقيد الضوء، وسط عتمة الإعلام السعودي، والأسماء كثيرة.

فيصل عباس وهو إعلامي سعودي يرأس اليوم فريق تحرير موقع “العربية. نت” باللغة الإنجليزية يقول: “هؤلاء يظلمون عبدالرحمن الراشد، فالمعيار الأول عند هذا الرجل هو المهنية، وليست جنسية الموظف”. أضاف: في الثمانيات كانت الصحف المحلية في السعودية تستورد الصحافيين العرب من كل بلاد عربية، وكان من الصعب عليه أن “يملئ البركة بمياه سعودية في بلاد التايمز وعاصمة الضباب”.

وقال: عندما انتقل عمله إلى إمارة دبي في العام 2004 أصبح أقرب من السعودية والعالم العربي، كما أن الزمان تغير أيضا، وبات هناك جيل جديد، واكب العصر وتعلم في الخارج، وأجادوا اللغات الحية، وباتوا راغبين في العمل أيضا خارج الحدود، وفي أي مكان يتيح فرصة لتطبيق ما تعلموه في تخصصات الإعلام المختلفة”.

يقول عباس، وهو صحافي متخصص في رصد تطورات الإعلام السعودي أن ما يميز عبدالرحمن الراشد تعامله الاحترافي مع فريقه في القناة. تجده دائما يعاملهم كصحافيين وزملاء في المهنة، وليسوا كموظفين تحت إدارته. كما أن ما يميزه عن سائر أقرائه، أنه لا يعاني أي حساسية من نجومية غيره. ولا يحمل غيرة من أي ناجح يعمل معه. وشهد له بأنه كان يطبق وبكفاءة مقولة “أن المدير الناجح يجب أن يكون محاطا دوما بالنجوم الناجحين”.

 

نجحت خطة الراشد، وبدأت أرقام الإقبال والمشاهدة تزيد يوما بعد يوم لحساب الفضائية “العربية” حسما من رصيد عيون المارد الإخباري الرابض فوق تخوم العاصمة القطرية الدوحة. غني عن القول هنا، أن المعركة لا تزال مستمرة، ويبدو إنها أطول مباراة ملاكمة في تاريخ الإعلام الفضائي العربي، واستطاع صاحب القفاز الحريري أن يرقص كفراشة، ويلسع كنحلة، ليدمي جسد المارد القطري العملاق الذي يصفه المراقبون بأن “الجزيرة” هي المهدي المنتظر للإعلام العربي، والحجر الذي حرك مياه الإعلام العربي الراكدة من المحيط إلى الخليج.

لم يحظ صحافيا سعوديا قبله، وربما بعده، بأن يقع اختيار صحيفة (نيويورك تايمز)، كبرى الصحف الأمريكية العالمية، وتقوم بإرسال صحافية محترفة، أمضت تراقب عمله وأسلوب حياته وإدارته طوال عدة أيام كاملة في مقر عمله، وخارجه، بالمدينة الإعلامية في أمارة دبي لكتابة سيرة (بروفايل) موسعة عنه.

وصفته الصحيفة بأنه الرجل الذي أمضى “ما يقرب من أربع سنوات، للوصول إلى خلطة ناجعة لعلاج فضائية عربية”. وحملت القصة تفاصيل عن حياته الشخصية، ولماذا لم يتزوج إلى الآن وقد شارف على العقد الخامس من العمر. “ضحك الراشد: واستحضر اقتباسا من ياسر عرفات الذي قال يوما انه (تزوج القضية الفلسطينية)”. وأضاف: “أنا متزوج من الإعلام. هذه وظيفة تستمر 24 ساعة في اليوم، 7 أيام في الأسبوع، أنا فعليا لا حياة شخصية لي”.

جمال خاشقجي مدير قناة “العرب” الإخبارية الجديدة (تحت الإنشاء) في مجموعة روتانا التي يمتلكها الملياردير السعودي الأمير الوليد بن طلال يؤكد أن صديقه عبدالرحمن الراشد “عاش طوال عمره كصحافي حقيقي. لقد أستطاع أن يسمع رأي المملكة العربية السعودية في طول وعرض العالم”.

أضاف خاشقجي: “كإعلاميين نحن واقعين وسط صراع ما بين تيار نهضوي إصلاحي، يواجه بتيار موهوم، مزعوم يحمله أشخاص هم صناع كوابيس، يحاولون أن يمنعوا هذه النهضة بطريقة “يحسبون أن كل صيحة عليهم”. أضاف: “دائما ما ندفع الثمن لإرضاء صناع كوابيس لم يضيفوا يوما لبنة واحدة في بناء هذا الوطن”.

 

لا شك أنه كان الساعد الأيمن لرجل MBC القوي الوليد بن إبراهيم في هذه الصفقة الصادمة، وتلك قصة أخرى. ولا شك أيضا، أن عبدالرحمن الراشد بدا وكأنه حصد الآن استثماره المبكر في تسعينات القرن الماضي. يومها وطدّ علاقته بشاب أنيق كان طالبا للدراسات العليا في العلوم السياسية في الولايات المتحدة، ووجد فيه حينذاك نبوغا في التفكير والكتابة، وسرعان ما خصص له صفحة كاملة في مقال أسبوعي بمجلة المجلة التي كان يرأس تحريرها آنذاك في لندن، ونجحا معا، بالأمس واليوم!.

الحق أن فراسة الراشد لم تخب أبدا كعادته، وكان كمن ينظر للمستقبل من خلف ستار شفيف. ويعتقد كثيرون أنه حصد الآن سلة ثمار ما زرع. وأن البيدر كان أكرم بكثير مما توقعه الزارع الحصيف!.

حسم الأمر الآن، وانتهت قصة أكبر صراع على الفوز بالمسابقات الرياضية السعودية. سيعود عبدالرحمن الراشد من غد إلى الكواليس، وصالة التدريب السريّة حيث يحب دوما، استعداد لحزام جديد وضحية جديدة.

ابحثوا عنه لو شئتم، قطعا لن يتحدث الآن، وربما في المستقبل أيضا.. رغم أنه يخبئ داخل قفازه الحريري كل مفاتيح الصندوق الأسود لصفقة اليوم الثالث عشر من يوليو 2014 والخميس 7 أغسطس والذي أعلن فيه فوز مجموعة MBC بحقوق نقل الدوري السعودي حصرياً لمدة 10 سنوات مقابل 3.6 مليار ريال فقط، قبل أن تطفئ أنوار الحلبة.

ربما تجدونه الآن جالسا في هدوء المنتصر دوما، على كرسي مقهى أنيق بمارينا دبي، وفي مزاج رائق واضعا قدما على أخرى، بوجه معجون بماء الرضا والبراءة. يتنفس هدوءا، ويزفر تهذيبا، وعلى محياه دوما ابتسامة طفل شقي!.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *