الثالثة تيفي

مواقف و قضايا

حوارات وتقارير

عرب وعجم

الفنون في السعودية .. الحياة بلا موسيقا

إنه تاريخ طويل غير مدوّن للفنون في المملكة العربية السعودية؛ من الدراما والمسرح إلى التشكيل والفلكلور، لكن الفنون الموسيقية والغنائية وحدها مرت بأطوار لافتة، فقد تأسس لها في الستينيات الميلادية ما يشبه المؤسسات الرسمية عبر فرق الإذاعة والتلفزيون، وجمعيات الثقافة والفنون في وقت لاحق، وشهدت حركة فنية وتطورًا ملحوظًا لما يقرب من ثلاثة عقود، ثم غابت الرعاية، وتفرّق الفنانون، وتفككت الفرق الفنية.

والواقع أن ما مرت به الموسيقا ينسحب على مجمل ما مرت به قطاعات الثقافة؛ بسبب غياب جهة واحدة راعية للكتاب والمنتج الثقافي والإبداعي، واعتماد رعاية الثقافة وتمويلها على مبادرات مختلفة بين عدد من الجهات العامة والخاصة، مراحل كثيرة مرت.. وصولًا إلى إعادة هيكلة القطاعات الثقافية في المملكة التي ما زالت مستمرة حتى يومنا هذا.

وقد استبشر الموسيقيون والفنانون أخيرًا برؤية السعودية 2030م التي أعلنت ضمن برامجها الطموحة عن إنشاء مجمع ملكي للفنون، كما باشرت وزارة الثقافة والإعلام إعادة تأسيس فرقة موسيقية وطنية، يكون مقرها القناة الثقافية السعودية، وفي أثناء إعداد هذا الملف عن الموسيقا في المملكة ما زالت الأخبار تتوالى عن التفاتة جدية إلى الفنون والموسيقا التي جرى تناسيها مدة من الزمن، وكان لجوء الفنانين والموسيقيين إلى القطاع الخاص، أو المبادرات الفردية، أو الهجرة الفنية إلى دول الجوار؛ عاملًا مهمًّا في تأكيد إصرار الفنون على الحضور في المشهد الثقافي رغم كل العقبات.

«الفيصل» تخصص ملف هذا العدد لاستعادة الحديث عن الموسيقا في المملكة وجدلها من زوايا متعددة، وسيجد القارئ المشاركين في هذا الملف متعددي المشارب والتوجهات؛ تدوينًا لتاريخ الموسيقا، أو وصفًا لحاضرها، أو تطلعًا لمستقبلها..

منزلة الاختلاف الفقهي في الموسيقا بين الاعتبار وعدم الاعتبار فقهاء يبيحون الموسيقا ويضربون بالعود!

الشريف حاتم بن عارف العوني – أستاذ الدراسات العليا بجامعة أم القرى

_الشريف-حاتم-بن-عارف-ال

لقد صاحب الجدلُ الفقهي آلاتِ المعازف (الموسيقية) منذ العصور الأولى، فصار خلافًا معهودًا مشهورًا، وما زال مستمرًّا حتى اليوم. على أنه جدلٌ يحتدّ أحيانًا، في أزمان وأعراف، ويلين أحيانًا أخرى.

فما هي حقيقة هذا الجدل؟ وكيف يمكن أن نفسره؟ وهل دوافعه وأسبابه واضحة عند المختلفين في الموسيقا قديمًا وحديثًا؟ أم انتابها من التشنج والتقليد ما جعلها خفيّة متوارية؟ وإلى أي حدٍّ يمكن أن يكون هذا الجدل مقبولًا وظاهرة علمية ثقافية مقبولة؟ أو لا يكون كذلك؟ لا شك أن تناول ذلك من جميع جوانبه أمرٌ مستحيل في مقال مختصر؛ لذلك سأكتفي بإشارات فقط: وأبدأ بالتنبيه إلى عدم ظهور مفسدة للموسيقا؛ إذ من المعلوم عند العلماء أن الأصل في جميع أحكام الشريعة –غير تلك التي علتها التعبد– أنها إنما جاءت لتحقيق المصالح وتكثيرها أو لدرء المفاسد وتقليلها، فهي أحكام معللة، مفهومة السبب. فتحريم الخمر كان لأجل تغييبه للعقل، وتحريم الربا جاء لكونه ظلمًا ودرءًا لمفاسده الاقتصادية، وتحريم الزنا جاء لحفظ العرض وبناء الأسر والنسل، وهكذا جميع الأحكام المتعلقة ببيان علاقة العبد بالمخلوقات وموقفه منها: أنها أحكامٌ مصلحية. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لماذا كانت الموسيقا حرامًا؟

لا يمكن أن يدعي أحد أن مفسدة الموسيقا مفسدة ظاهرة كالخمر والربا والزنا ونحوها؛ إذ أي مفسدة ظاهرة في الموسيقا الحزينة أو الحماسية أو الهادئة أو التي تشبه تناغم صوت البلابل وخرير الماء؟!

لن يستطيع أحدٌ أن يزعم ظهور مفسدة الموسيقا إلا بمصادرات على المطلوب، فيذكر أمورًا غيبية، إنما بناها على اعتقاده التحريم!

كأن يقول المحرمون: إنه ينبت النفاق في القلب (على ما جاء عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه)، وعندها سيقول لهم المبيحون: هذا أمر غيبي غير مفهوم السبب، فإن صح معنى هذه العبارة فهي محمولة على الغناء الماجن الذي لا يبيحه أحد، لا على مجرد الموسيقا أو الغناء غير الماجن.

وكأن يقولوا ما قاله ابن قيم الجوزية (ت751هـ) في نونيته:

حُبُّ الكتاب وحب ألحان الغنا

في قلبِ عبدٍ ليس يجتمعان

وعندها سيقول المبيحون: هذا قول بهذا الإطلاق دعوى باطلة لا دليل عليها، ويردها الواقع أقوى ردّ، فكم رأينا من كبار قرّاء القرآن -كالشيخ عبدالباسط عبد الصمد (رحمه الله)، وكبار العلماء قديمًا وحديثًا- من اجتمع في قلبه حب القرآن الكريم كأعظم الحب وحب الغناء!

الخلاصة: أن دعوى ظهور مفسدة الموسيقا يجب الإقرار بانتفائها، ويحق لمن كان قد رجّحَ التحريمَ أن يظن لها مفسدةً لا تُعلم (غيبية تعبدية)، وإنما دلّه التحريمُ الذي يرجحه هو على وجودها، لا غير.

فإن اتفقنا على أن مفسدة الموسيقا خفية غير ظاهرة، وأن وجود هذه المفسدة المدّعاة لا تصح إلا على اجتهاد من يرجح حرمة الموسيقا: يتضح أن التشنج في نقاش حكم الموسيقا لا مبرر له ولا معنى، وأنه يحق لمبيح الموسيقا أن يمنع من وجود مفسدة للموسيقا، ولا يكون بذلك مكابرًا ولا مخالفًا لأمر لا تصح مخالفته.

وخفاء هذه المفسدة –على التسليم بوجودها– يفيد في تحرير درجة حرمة الموسيقا عند من حرمها، أي: هل هي عنده من كبائر الذنوب أم من صغائرها؟ إذ لا يكاد يشك من ينظر في حدة النقاش المعاصر حول الموسيقا: أنها عند المحرِّمين من أكبر الكبائر؛ فهل هي حقًّا كذلك؟

إذ من استعرض كبائر الذنوب المتفق على كونها من الكبائر وجدها كلها مما تتضح مفسدتها أعظم وضوح، بل كل الكبائر مفسدته عظيمة غاية العظم؛ كالقتل والسرقة وعقوق الوالدين وشهادة الزور والفرار يوم الزحف ونحوها من الكبائر؛ حتى إن هذه الذنوب الكبائر لو لم يأتِ النص بتحريمها لدلّت الفطرة السوية على وجوب منعها وتعظيم خطرها.

لا مفسدة في الموسيقا

فإن أتينا إلى الموسيقا وجدناها بخلاف تلك الكبائر تمامًا، فهي لا تظهر لها أي مفسدة: لا كبيرة ولا صغيرة؛ إلا المفسدة التي هي محل النزاع بين المحرمين والمبيحين؛ لأنها مفسدة مبنية على القول بالتحريم فقط، لا على العلم بها بظاهر أمرها.

وقد استعرضت عامة كلام العلماء وكتبهم في الكبائر، منذ جيل الصحابة رضوان الله عليهم، إلى البرديجي (ت301هـ) صاحب أول كتاب مصنف في الكبائر يصل إلينا، فقد بلغ عدد الكبائر عنده ثلاث عشرة كبيرة فقط، وزاد عليه الضياء المقدسي (ت643هـ) في تذييله عليه، ثلاثًا فقط، ولم تكن الموسيقا والغناء من بين هذه الكبائر عندهما. وكذلك الحال مع ابن جرير الطبري (الذي حصر الكبائر في تسع كبائر فقط)، ثم أبي طالب المكي الذي حصرها في «قوت القلوب»، والغزالي في «إحياء علوم الدين»، والذهبي في كتابه الشهير «الكبائر»؛ وكلهم لم يعدّوا الموسيقا من الكبائر.

ولم يذكر الموسيقا ضمن الكبائر كل من الرافعي والنووي وابن الرِّفعة. بل إن الإمام الغزالي (ت505هـ) في «إحياء علوم الدين» –وهو ممن أباح النشيد الديني (السماع)، ولكنه رجح تحريم الموسيقا– يحكي الإجماع على أن الملاهي (الموسيقا) من الصغائر، حيث ذكرها مع غيرها من الذنوب، ثم قال: «ولم يذهب أحد إلى أن هذه الأمور من الكبائر».

ولم تُعدّ الموسيقا من الكبائر؛ إلا عند بعض المتأخرين، وأول من أدرجها في الكبائر –بحسب ما وقفت عليه- هو أبو زكريا بن النحاس (ت814هـ)، في كتابه «تنبيه الغافلين»، دون أن يذكر دليلًا على عدّ الموسيقا في الكبائر، وإنما حكاه عن العراقيين، بخلاف عادته في غيرها، وكأنه فيها مجرد ناقل لقول لا يقره. كما أن ابن النحاس أحد المتوسعين في إحصاء الكبائر، فقد بلغت عنده (171) كبيرة.

ثم في القرن العاشر الهجري فما بعده ذكر غير واحد من العلماء الموسيقا ضمن الكبائر: كابن نُجيم الحنفي (ت970هـ)، وقبله ابن حجر المكي الهيثمي (ت947هـ)، فقد ذكر المعازف في الكبائر في كتابه «الزواجر عن اقتراف الكبائر»، وهو من المتوسعين في الكبائر توسعًا مرفوضًا، حيث بلغت عنده (466) كبيرة! حتى كادت أن تكون عامة المعاصي عنده كبائر!! وهذا خلافٌ كبيرٌ منه لما جاء في النصوص، ولما عليه عامة العلماء ممن عدّ الكبائر، كما سبق.

وهكذا يلاحظ القارئ تزايد النفور تاريخيًّا من الموسيقا مع امتداد الزمن ومع تناقص العلم! ولا شك أن عدم ظهور مفسدة للموسيقا مما يرجح بقوة أنها ليست من الكبائر. كما أن عدم ظهور مفسدة للموسيقا مما يعين على معرفة درجة الاختلاف فيها: هل هو خلاف معتبر؟ أم غير معتبر؟

وتحديد منزلة الاختلاف هل هو معتبر أم لا: من أهم الأمور؛ لأن الاختلاف المعتبر يمنع من الإلزام بأحد القولين، ولا يُـجيز الإنكارَ من صاحب ترجيحٍ على من يخالفه. فلو تبيّن أن الاختلاف في الموسيقا خلافٌ معتبر لم يَـجُزْ للمحرِّمين الإنكارُ على المبيحين، ولم يَـجُزْ لهم إلزامُ مخالفِهم بعدم السماع. وتصبح حينئذٍ المسألة راجعةً إلى تدين الشخص ورقابته الذاتية على نفسه: فإن قاده الاجتهاد أو الاتباع والتقليد المنضبط إلى التحريم: التزم بذلك في نفسه، ولا يحق له إلزام المخالفين له في ذلك من المبيحين، ما داموا قد أباحوا الموسيقا اجتهادًا أو اتباعًا وتقليدًا لمن أباحها من العلماء.

وضوابط تمييز الاختلاف المعتبر من غيره قد فصّلت الكلام فيها في كتابي «اختلاف المفتين»، وبتطبيق تلك الضوابط القطعية يكون الاختلاف في الموسيقا اختلافًا معتبرًا، ويكون القول بإباحتها قولًا سائغًا لا يجوز إنكاره ولا التشنيع عليه، بل يجب احترام وجاهته؛ كما أن القول بالتحريم قولٌ سائغ معتبر مثله.

ماذا قال الأئمة عن إسحاق الموصلي؟

…. وتَوسُّعُ فقهاء المدينة المنورة في الموسيقا في جيل أتباع التابعين ثابت عنهم، وممن نسبه إليهم يحيى بن سعيد القطان -وهو من أئمة أتباع التابعين (ت198هـ)، ونسبه الإمام أحمد إلى فقهائهم أيضًا.

وفي هذا السياق أيضًا: انظر ماذا قال الأئمةُ عن أحد الـمُغَـنِّـين الموسيقيّين المشاهير، وهو إسحاق بن إبراهيم بن ميمون الموصلي (ت235هـ). فمع أن صنعته كانت هي الغناء، حتى كان أشهرَ المغنين ببغداد؛ إلا أن العلماء قد وثّقوه؛ لتديّنه وقيامه بالفرائض وتحفُّظِه من الفواحش! ولذلك قال عنه إمام الحنابلة -في زمنه- إبراهيم الحربي (ت285هـ): «كان ثقةً صدوقًا عالمًا، وما سمعتُ منه شيئًا، ولَوَدِدْتُ أني سمعتُ منه، وما كان يفوتني منه شيءٌ لو أردتُه».

وبدأ الخطيبُ البغدادي (ت463هـ) ترجمة إسحاق الموصلي بقوله: «كتب الحديث عن سفيان بن عيينة، وهُشَيم بن بشير، وأبي معاوية الضرير، وطبقتهم. وأخذ الأدب عن أبي سعيد الأصمعي وأبي عبيدة ونحوهما، وبرع في علم الغناء، وغلب عليه، فنُسب إليه. وكان حسنَ المعرفة، حُلْوَ النادرة، مليحَ المحاضرة، جيد الشعر، مذكورًا بالسخاء، معظَّمًا عند الخلفاء. وهو صاحب كتاب الأغاني».

ثم أورد الخطيب توثيق إبراهيم الحربي له!

هذا هو موقف العلماء مع أشهر مغني بغداد، بل أشهر مغني المشرق الإسلامي في زمنه! ولمَ نذهبُ بعيدًا؟! فهذا الإمام ابن حزم (ت456هـ)، ومحمد بن طاهر المقدسي (ت507هـ)، وغيرهما من العلماء ممن أباحوا الموسيقا، هل نجد من جرحهم بهذا الاجتهاد؟! أو منع الصلاة خلفهم بسببه؟!

وبهذا يتضح أن واقع الاختلاف في حكم الموسيقا لدى عامة المعاصرين قد انحرف عن مساره الصحيح، وصار التعصب والتشنج والتخوين في الدين والتجهيل في العلم هو سمة عامة المحرِّمين تجاه المبيحين! وهذا خلل كبير، لا يقبله العلم، ولا يقره الدين. وفي مثل هذا الوسط غير الصحي يضعف التحرير العلمي؛ لأنه يخاف الخروج عن الصوت السائد، ويتردد صاحب الاجتهاد المختلف في إعلان اجتهاده ومناقشة المخالفين. فعلينا أن نسعى إلى معالجة هذا الواقع، إن أردنا أن نسمع في الموسيقا وغيرها رأيًا شرعيًّا متّزنًا؛ لأنه يعرف آداب الاختلاف ودرجاته، ويحترم الاجتهاد المعتبر، ولا يبغي على المخالِف.

دعاوى الإجماع المنقوضة في زعم التحريم

سوف يستغرب المتعجلون قليلو الفقه من هذا التنزيل للخلاف في الموسيقا، بسبب التشنج الذي صاحب الجدل الفقهي فيها، وبسبب دعاوى الإجماع المنقوضة وغير الصحيحة في زعم التحريم، وبسبب ضعف التدقيق في أدلة التحريم عند من حرم: هل كانت دلالة ظنية أم قطعية؟ وبسبب عدم النظر في أدلة المبيحين وردودهم على أدلة المحرِّمين.

ولما أن كان هذا المقال مقالًا مختصرًا فسأكتفي هنا بالإشارة إلى بعض ما يدل على سواغ الاختلاف في الموسيقا عند جمع من العلماء، أو إلى التعاطي الراقي لدى المحرّمين مع من اجتهد فأباحها، وأنهم لم يُسقطوا المبيحين، ولا حطوا من ديانتهم ولا من علمهم.

فهذا الإمام الذهبي (ت748هـ)، يذكر العالم الفقيه إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف الزهري (185هـ)، وكان ممن يبيح الموسيقا، فيقول: «من أئمة العلم، وثقات المدنيين. كان يُـجَوِّزُ سماعَ الملاهي، ولا يَـجِدُ دليلًا ناهِضًا على التحريم؛ فأدّاه اجتهادُه إلى الرُّخصة، فكان ماذا؟!!».

وهذا يوسف بن يعقوب بن أبي سلمة الماجِشون أبو سلمة الفقيه الثقة المدني (ت185ﻫ)، يوثقه الإمام يحيى بن معين، مع قوله عنه: «لا بأس به، كنا نأتيه فيحدثنا في بيت، وجواريه في بيت آخر له يضربن بمعزفة». ويقول مصعب الزبيري: «وكان الماجشون أول مَن علم الغناء مِن أهل المروءة بالمدينة».

ويقول الحافظ الخليلي (ت446ﻫـ) عنه: «ثقة… عُمِّرَ حتى سمع منه يحيى بن معين… هو وإخوته يُرخِّصون في السماع… (ثم أورد كلام ابن معين السابق، وقال:) وابن عمّه يُعرفون بذلك، وهم في الحديث ثقات، مخرَّجون في الصحاح».

ثم أورد الخليلي ترجمة عبدالعزيز بن عبدالله بن أبي سلمة الماجِشون (ت164ﻫ)، وهو الإمام الثقة الفقيه صاحب التصانيف، ومن كبار فقهاء المدينة، ومن أقران الإمام مالك في العلم والسن، حتى كان يُصاح في المدينة: «لا يُفتي الناسَ إلا مالكٌ وعبدُالعزيز بن أبي سلمة»، فقال الخليلي عنه: «مفتي المدينة، روى عنه الأئمة، مخرجٌ في الصحيحين، يرى التسميع، ويرخِّصُ في العُود».

فهذه أمثلةٌ فيها توثيق الأئمة وثناؤهم وإجلالهم لهؤلاء الأئمة، مع اعتقادهم فيهم أنهم كانوا يبيحون الغناء وآلات المعازف ويسمعونها، بل من هؤلاء الفقهاء من كان يضرب بالعود بنفسه!

الشيخ المغامسي:

المغامسي

من كتم علمًا ألجمه الله لجامًا من نار يوم القيامة

أكد إمام وخطيب مسجد قباء في المدينة المنورة الشيخ صالح المغامسي، أن ما قاله فيما يخص الموسيقا هو ما يدين به لله «في مقام سُئلت فيه»، موضحًا أنه لا يتوقع «أن يقبل الناس جميعًا ذلك تسليمًا؛ لأنه من المستحيل، لكن ما يحضني على ذلك أمانة الكلمة والعلم».

وقال الشيخ المغامسي لـ«الفيصل»: «لا أستطيع أنا أو غيري من المتأصلين شرعيًّا أن نحلل أو نحرم إلا ما حرمه الله أو ما حلله سبحانه وتعالى، فكيف بما ليس فيه دلالة صريحة كالموسيقا؟». وأضاف أنه حين قال ما قاله بخصوص الموسيقا، لم يكن مُلزمًا «ولم أكن أبحث عمن يجادلني أو يناقشني؛ لأني لن ألتفت إلى ذلك؛ فهو ليس ما أسعى إليه أو أرغب به، وإنما من باب حديث خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم: «من كتم علمًا ألجمه الله لجامًا من نار يوم القيامة».

يذكر أن الشيخ المغامسي أكد في برنامج تلفزيوني أواخر مايو الماضي أنه لا يوجد إجماع على تفسير «لهو الحديث» بأنه الموسيقا، مشددًا على أن الأمة في حاجة إلى خطاب تجديدي، وأن أمانة الدين تملي عليه أن يتكلم، الأمر الذي أثار جدلًا بين معارضين ومؤيدين.

الموسيقا والغناء في الحجاز

علي فقندش

علي فقندش – ناقد فني

المعروف تاريخيًّا أن الإبداع الموسيقي والغنائي في الجزيرة العربية، وتحديدًا في الحجاز (مكة المكرمة والمدينة المنورة) له جانب اجتماعي وإنساني مهم في التركيبة السكانية للمنطقة التي شهدت إبداعا ثقافيًّا وفنيًّا على مر العصور، ومن هذا الإبداع الشعر الغزلي الأقرب للغناء… وفي كتابه «الشعر والغناء في المدينة ومكة لعصر بني أمية» يقول الدكتور شوقي ضيف: من يقرأ في الشعر العربي، وينظر في نصوصه ونماذجه الكثيرة يجد صورتين متقابلتين منذ العصر الجاهلي؛ صورة تقليدية تعتمد على رسوم وتقاليد كثيرة، وصورة أغانٍ خالصة تعتمد على العزف والضرب على الآلات الموسيقية».

من هنا تتضح لنا أهمية الأغنية والموسيقا لدى أهل مكة المكرمة والمدينة المنورة والحجاز بشكل عام؛ الأمر الذي سهّل مهام تطور هذا الجانب، ونقل صور فن وثقافة كل عربي في هذه المنطقة؛ مما أوجد أسماء عديدة في عالم الإنشاد والغناء في المنطقة، وكلنا يعرف كيف استُقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم عند وصوله يثرب بالنشيد والأهزوجة الشهيرة والمنغمة، وهي الأغنية التي قيل: إن لبنات النجار في المدينة المنورة المحبات للفن والغناء دورًا كبيرًا في ذلك، وهذا ما سجّله وأورده كرم البستاني في كتابه «النساء العربيات»؛ إذ قال: إن بنات النجار كن في مقدمة أهل يثرب المرحبين بالمصطفى عليه الصلاة والسلام. أيضًا هناك عامل مهم آخر، وهو التأثير الكبير الذي يحدثه النشيد في الناس في هذه المنطقة في كل مناحي الحياة؛ إذ استثمر هذا العشقَ كثيرٌ من التجار باستخدام الشعراء والمنشدين للترويج لبضائعهم، ولعل في قصة الخمار الشهيرة بالمدينة المنورة التي أوردها أيضًا كرم البستاني خير دليل على تأثير الغناء في المجتمع.

فالمتتبع لخطا الفن والأغنية تحديدًا يعي أو يخلص إلى أن الثراء والترف قد ساهما في انتشار الغناء في المدينة المنورة أيام الأمويين عندما ظهر ابن سريج ومعبد كأبرز مغنيين آنذاك.

سنحاول سرد كثير من هذه الألوان، لكن من خلال الحديث عن أبرز أساتذتها، وأبرز من قدمها واشتهر بها، أو ساهم في شهرتها وانتشارها، وتحويلها إلى قاعدة تنطلق منها أفكار كثير من الملحنين الذين وجدوا أمامهم في تراثنا الغنائي ما يمكن أن يكون عملًا فنيًّا ذا جذور، وليس نبتًا شيطانيًّا سيما إذا ما علمنا أن مدينة جدة وفنانيها كانوا أكثر من استفاد من التراث الفني الغنيّ في مكة المكرمة والمدينة المنورة؛ إذ مورست هذه الفنون إلى جانب تراث جدة الموسيقي والغنائي الفعلي إلى جانب تلك الفنون المكية المدنية، وربما كان الموسيقار الراحل عمر كدرس علامة ودليلًا على ذلك لأسباب عدة؛ أهمها أن عمر كدرس كان الحلقة الوسيطة بين أجيال الأغنية السابقة الذين حفظ منهم ونقل عنهم، وبين الأغنية الحديثة التي يعدّ عرّابها وصانع مجد كثير من الملحنين والمطربين الذين أعرف وبصورة شخصية أنه لحّن لبعضهم ألحانهم، وكانوا بالفعل أهلًا لهذه المبادرات منه، فأصبحوا فنانين كبارًا في مجال التلحين وغيره. كذلك لأنه نبش تراث الموسيقا في المدن الثلاث: المدينة المنورة التي ولد وعاش طفولته فيها، ونهل من علمها وتراثها، ثم مكة المكرمة التي عاش فيها طويلًا، ثم جدة التي كانت مستقرًّا له طوال نصف القرن الأخير من حياته. وفي محاولات رصد للتعرف على أهم أسماء نجوم الغناء وحَفظة التراث الغنائي في مكة المكرمة والمدينة المنورة في القرن الماضي، التقيت بكثير من نجوم فنون التراث وكبار الملحنين مثل: سراج عمر، وجميل محمود، وأبي الأسرة الفنية الغنائية في المنطقة؛ إبراهيم خفاجي، وبعدد من حفظة التراث الغنائي بالمنطقة ومردديه مثل: حامد عبد ربه، وبكر مدني -رحمه الله- وحسن إسكندراني، والفنان الشعبي الكبير علي شيخ، وعلي صائغ -رحمهما الله- ودرويش صيرفي، والفنان مصطفى إسكندراني الذي بدأت معه. ففي محاولة لجرد أهم أسماء الجيلين الأول والثاني من فناني التراث الذين عاصرناهم ونعدهم افتراضًا من ساهم في إثراء الساحة الغنائية بدءًا من عام 1350هـ، وأنقل هنا عن الفنان مصطفى إسكندراني ما قاله لي: عاصرت كثيرًا من هؤلاء الفنانين الكبار أو لحقت بآخر من رحل منهم، وكانوا بالنسبة لي الأمل في تحقيق ما أصبو إليه في إثراء ذاكرتي الفنية، ومواصلة حفظ تراثنا الذي كان عرضة للاندثار، ومن هؤلاء حسن جاوة، وصالح حلواني، وسعيد أبو خشبة، وعثمان خميس، وعثمان كردوس، وحسن لبني، والسيد عبدالرحمن المؤذن الذي عرف بلقب «الأبلتين»، وأحمد مراد، وخليل رمل (جد المغني الذي احتجب بعد نجاحات جيدة في ساحة الغناء حسن يوسف رمل)، ومحمود مؤمنة، وعلي شيخ، وعرفة صالح، الذي سيتحدث عنه فيما يأتي الموسيقار الكبير سراج عمر الذي ارتبط به كثيرًا، ونهل من موسيقاه وغنائه وأساليبه كثيرًا، وأحمد عبدالفتاح، وعبدالقادر شولق، ودرويش جبل، ومحمد علي أخضر، ومحمد علي بوسطجي، ومحمود حلواني، الذي حفظ وقدم كثيرًا من ألوان أو أغنيات التراث في الحجاز والجزيرة العربية، كعواد من أبرز وأهم أصحاب المبادرات الأولى في نشر الأغنية السعودية، وكان من أوائل الفنانين الذين هاجروا إلى البحرين؛ من أجل نشر أغنية الحجاز، وأول من سجّل أسطوانات غنائية سعودية صالح لبني، ومحمد الريس عازف الكمان الشهير الذي صنع بدايات طلال مداح في الحفلات تحديدًا، وعبدالستار حضرة علي، وفؤاد بنتن، وفؤاد زكريا، وسعود زبيدي، وعثمان تنكل، وأسعد خوندنة، وعبدالرحمن خوندنة، وأبو حصة، ومحمد باموسى، وعبدالله مرشدي، الذي كان يرأس فرع جمعية الثقافة والفنون بالطائف، والراحل محمد علي سندي الناقل والحافظ الأمين لتراث الغناء الحجازي، وعبدالعزيز أبو سلامة، وأحمد شيخ، ورضا حسن نحاس، والملحن محمد النشار، وعمر باعشن، وعلي باعشن الذي عرف باسم رياض علي، وسبق له أن رأس فرقة موسيقا الإذاعة والتلفزيون، وإبراهيم المطلق، وخليل كتوري، ومعتوق يحيى، ومسفر القثامي، وإبراهيم الشرقي، ومحمد سيامك، وعبدالستار بخاري، وخالد زهدي.

مطربات في ذاكرة الغناء الحجازي

شهدت بدايات القرن العشرين في منطقة الحجاز عشرات المطربات اللائي أثرين الذائقة الفنية وحفرن في ذاكرة الغناء الحجازي وذاكرة الناس، وإذا استعرضنا أبرز الأسماء التي عرفت في القرن الماضي في مجال الغناء والموسيقا التراثية لمنطقة الحجاز، وتحديدًا في مكة المكرمة والمدينة المنورة والطائف، وهنا نلفت النظر إلى أن فن الإنشاد لم يكن حكرًا على الرجل، فهناك اتصال تاريخي بين ما أنشدته بنات النجار في المدينة المنورة عند استقبال يثرب الشهير للحبيب المصطفى عليه أفضل الصلوات والتسليم، والتواصل الذي تشهده الأجيال في إنشاد المرأة تحديدًا الذي كان مزدهرًا بشكل كبير في هذه المنطقة في القرن الماضي.

 الفنانة توحة

الفنانة توحة

وربما يعرف القارئ إبداع نساء شعبيات أثرين عواطفنا وعواطف من قبلنا من أجيال، مثل: توحة، والراحلة صالحة حمدية، وبنات شافية، وغيرهن، وإبتسام لطفي، وكان من هؤلاء الفنانات عازفات لآلات موسيقية، مثل: فاطمة، وعائشة زايدية –رحمهما الله- اللتان عرفتا بالعزف على مختلف الآلات الموسيقية مثل العود والكمان، ونجد أن أبرز مغنيات مكة المكرمة في القرن الماضي صفية لبانة، وكرامة صالح سلطان، وأمينة عدنية، وصالحة حمدية، وفاطمة حمدية، وزينب هندية، وزينب روشانة، وفاطمة عتيبية، وحجية المكاوية، وغربية المكاوية، وخميسة المكاوية، وخديجة نوارة، وخديجة عبدالله حماد، وفاطمة إبراهيم بشيت وهذه كانت أشهرهن وأكثرهن مقدرة حتى إن المغنية توحة كانت قد قالت لي في حديث قديم معها: إنها كانت أستاذتها في الغناء، بل كانت في طفولتها مغرمة بها، وكان لفاطمة بشيت اسم شهرة عُرفت به في كل أصقاع الحجاز وهو «كاكا» أو الخالة «كاكا»، وزهرة بنت سمر الدين، وعطية عبدالله الحضرمي، وفاطمة عمارة، وزينب دنقاشية، وحليمة بنت سرور، ومعتوقة بنت سعدالله، ومنسية بنت عبدالله، وصفا عيادة، وعائشة حوطية، وفاطمة حوطية. ونلاحظ من تكرار الأسماء أن موضوع العوائل والأسرة الفنية كان موجودًا بوضوح، فتأثر الفن بلا شك في أبناء الأسرة الواحدة، وفاطمة كزبرية، وكل هؤلاء من مغنيات مكة المكرمة الراحلات رحمهن الله جميعًا، وشوق الجداوية، وقمر الطاهرية، وفاطمة نجيدية وهن من مطربات جدة الراحلات، وتوحة مطربتنا الشعبية الكبيرة التي أثرت عالم الغناء النسائي المحلي، أطال الله في عمرها، وحضرت عهد الأسطوانات البلاستيكية، وسجلت العديد من الأعمال الغنائية للإذاعات المختلفة، واسمها الحقيقي فتحية حسن يحيى.

إبتسام لطفي تلتقي كبار نجوم الغناء العربي

ابتسام-لطفي_fmt

 

هناك أيضًا نعمة دنياري، وليلى حسين، وإبتسام لطفي وهي بطبيعة الحال من أهم المطربات السعوديات اللاتي انطلقن للعربية، وكانت سببًا مباشرًا بما تمتلكه من إمكانيات لعصرنة الغناء النسائي، والخروج من ثوب التراث المقدم بصورة بسيطة إلى تسجيل الحضور في عالم الأغنية التراثية المطورة والأغنية الحديثة. كما أن إبتسام لطفي التقت كبار نجوم الغناء العربي مثل: أم كلثوم، وأحمد رامي الذي غنّت من كلماته، وحلمي أمين الذي لحّن لها وهو ملحن أغنية «عنابي» الشهيرة بصوت كارم محمود، وسيكون لنا معها وقفة مطولة عن دورها المؤثر والعظيم في تطوير الأغنية النسوية السعودية قبل احتجابها، وهو نفس الدور الذي قامت بإكماله سارة (إبتسام قزاز) التي انطلقت في منتصف السبعينيات من القاهرة مع محمد شفيق، وسراج عمر، وسامي إحسان وغيرهم من الملحنين، وقدمت أغنية سعودية غاية في الروعة، وهي صوت من أعذب وأجمل الأصوات لولا احتجابها عن الغناء بعد أن ملكت قلوب محبي الغناء في المملكة. ويمكن أن نذكر نجوى سلم (سمر)، وهي مطربة عذبة الصوت، جاءت من اليمن صغيرة في بداية السبعينيات الميلادية، وتعلمت الغناء واستفيد من صوتها الجميل تحت إشراف مصطفى إسكندراني، وعلي عبدالكريم سيد غناء التراث من جيله.

أما أشهر مطربات الطائف فهن: عطيفة الطائفية، ومريم الطائفية -رحمهما الله- ولطيفة مغربي. ومن مطربات المدينة المنورة كانت صفية شتيوي. من أشهر مطربات «ليلة الغمرة» في الأعراس في الحجاز كانت هناك أسماء كبيرة، وارتبطت بتأريخ الغناء في أعراس الحجاز منهن: فاطمة خصيفية، وسلطانة، ومستورة القريشية، ومنسية، وفاطمة بنت أبو حلاوة، وعايضة النفيعية.

فوزي محسون وعبدالله محمد ومحمد علي سندي حراس التراث

حفلت أوساط الغناء الرجالي في منطقة الحجاز بكثير من الأسماء التي ازدهر عطاؤها في القرن الماضي، وكان بعضهم أمينًا على العمل الفني الفلكلوري، وظل يحفظ هذا الإبداع متوارثًا بأمانة (أي يقدم هذه الألوان كما هي) من هؤلاء فناننا الراحل الكبير محمد علي سندي، الأمين الأول على عطاء التراث الغنائي الحجازي، والراحل محمد باجودة حافظ على التراث الغنائي الشهير. وهناك من ابتكر وابتدع كثيرًا من الألحان المبنية على التراث إلى جانب الإبداع الشخصي، ومن هؤلاء كان فناننا الكبير فوزي محسون وعبدالله محمد، ومحمود حلواني -رحمه الله- والفنان عبدالله مرشدي، وكذلك فؤاد بنتن -رحمهم الله جميعًا- ومصطفى إسكندراني وغيرهم. ولعلي أذكر أيضًا الفنان الشعبي محمد أحمد باجودة أحد أبرز مطربي ومؤدي الأغنية الحجازية؛ ولد بمكة المكرمة سنة 1335هـ – 1915م،

طلق عليه الفنان محمد علي سندي لقب قائد قافلة التراث الغنائي؛ لاهتمامه بنقل التراث، وإلمامه بالمقامات، وعذوبة صوته. بدأ حياته الفنية سنة 1354هـ بممارسة العزف على العود، ثم جمعته الهواية مع مجموعة اهتمت بالتراث الغنائي؛ منهم: عرفة صالح، ومحمد الريس، وصالح لبني، ومحمد علي سندي، وعمر باعشن، وعلي باعشن. قدمت له الإذاعة العديد من الأغنيات الشعبية. وفي عام 1967م سجل له التلفزيون مجموعة كبيرة من هذه الأغنيات منها: «بالله تحل العقد المبهمة»، و«نسيم الصبا هب علينا»، و«فارج الهم»، وكانت هذه أول مجموعة غنائية شعبية يقدمها التلفزيون السعودي عند تأسيسه؛ إذ حرص على عقد جلسة أسبوعية للطرب ومراجعة وترديد الفنون الشعبية، وكثيرًا ما كان يحضرها فنانون كبار منهم: طارق عبدالحكيم، وعبدالله محمد، وفوزي محسون، وعمر كدرس، ومحمد عبده، وكثير من الفنانين الشباب مثل: محمد أمان وغيره، وذلك لحفظ الفن الشعبي السعودي.

مقام الحجاز نشأ في مكة وخرج منها إلى العالم

في مكة المكرمة تحديدًا كانت للثقافة جوانبها المهمة في كل ما يرتبط بالحياة اليومية والموسيقا والإنشاد، التي هي حب أهل الحجاز الأول وعشقهم حتى كان لهم «مقام الحجاز» الأساسي في مقامات الموسيقا الذي تُبنى عليه كثير من غنائياتهم. وأجمل من قدم ألحانًا عظيمة من هذا المقام كان السنباطي، وزكريا أحمد، والقصبجي وغيرهم. كذلك استخدمه محمد الموجي في مقطع « شوف القسوة بتعمل إيه » في أغنية «اسأل روحك» لأم كلثوم، كذلك فناننا الجميل جميل محمود في أغنية «خايف منك من حبك» لعبادي الجوهر في بداية طريقه مع الغناء، وطلال مداح -رحمه الله- في «انتظاري طال يا حلو التثني» و«ما دام معايا القمر» و«يقولوا لي قنع منك».

وللفائدة الأكبر حول مقام الحجاز وأصوله تحدث إليّ الفنان الكبير جميل محمود الذي قال: إن مقام الحجاز نشأ في مكة المكرمة، وخرج منها إلى العالم كله، يستخدمه العرب والغربيون؛ حيث تستخدمه العرب كمقام كامل، ويستخدمه الغربيون كجنس من مقام الحجاز، والجنس المقصود به هنا جزء من المقام؛ لأن معظم المقامات ثلاثة أجناس، يتزاوج بعضها مع بعض؛ لينتج المقام الموسيقي الكامل بنوتاته السبع، وقد استعمله الفنانون العرب في كل البقاع، وصوروا المقام في غير موقته، وسُمي بأسماء أخرى مختلفة لكنها بالنسبة للنوتة الموسيقية تعود إلى مقام الحجاز، ودليل ذلك أن المقامات العربية الموجودة والمستخدمة في العالم العربي يزيد عددها على 3000 مقام، وهي لم تستخدم كلها، لكن حينما أعيدت إلى أصولها أصبحت 99 مقامًا فقط؛ المستخدم منها أقل من نصف هذا العدد لصعوبة عزفها؛ لأن أبعاد المقامات على الآلات يميل إلى النقص والزيادة المعروفة بـ«البيمول» و«الدييز» بكل درجاتهما، ونزيد عليها في العالم العربي استخدام ربع التون. وقد اعتمد كل الملحنين في العالم العربي التلحين في مقام «الحجاز»؛ لثرائه وشجنه وفرحه وحزنه والإحساس العميق.

أما فن إيقاع الدانة فهو إيقاع مكي يستخدم مع أي مقام موسيقي حسب رغبة الملحن وتذوقه، ويعود تاريخه إلى ما قبل 870 عامًا وينسب هذه الإيقاع إلى يمن البيتي، المعروف بأبي جعفر يمن البيتي، وهو من سكان حارة الباب بمكة المكرمة؛ لذلك سُمي «الفن اليماني» بمكة المكرمة نسبة إلى يمن البيتي، وإيقاعاته تختلف بين «الدانة» الثقيلة المعروفة، وإيقاع الكف، وإيقاع الرودمان، والإيقاع الصنعاني، وهذه هي الإيقاعات القديمة المنسوبة إلى يمن البيتي. والدانات ألوان عديدة، يعتمد معظمها على القصائد المقفاة الموزونة، مثل: «قف بالطواف»، و«على شاطئ الوادي نظرت حمامة»، و«أهيم بروحي على الرابية» التي قدمها الموسيقار العميد طارق عبدالحكيم، وأغنية «ترفق عزولي»، كما أن معظم القصائد المغناة في الدانات القديمة هي القصائد العربية التي كتبت من المغرب إلى المشرق، ومن شمال الخريطة العربية والإسلامية، إضافة إلى حضور الدانة بوضوح في لحن التراث الذي قدمه محمد علي سندي «أراك عصي الدمع» لأبي فراس الحمداني وأحمد شوقي أمير الشعراء قدمت له «خدعوها بقولهم حسناء».

ومعظم نصوص الدانات من الشعر اليمني والحجازي الفصيح، ومن المعلقات المعروفة أيضًا؛ لأن الفن لا وطن له في مفهوم الفنانين القدامى، وفي مفهومنا نحن أيضًا. أما بالنسبة للفنون الموسيقية في مكة المكرمة فهي كثيرة، فمنها: «المزمار»، و«الطنبور» وكلاهما إفريقي الإيقاع ما عدا الغناء والألحان فهما حجازيان محض.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *