الثالثة تيفي

مواقف و قضايا

حوارات وتقارير

عرب وعجم

بلال كايد .. معتقل فلسطيني “عنيد” يتجرع مرارة الموت ليتذوق طعم الحرية

قبل 15 عاماً، قرر الشاب بلال الكايد ذو التسعة عشر عاماً (آنذاك)، والذي كان يعمل حينها في سلك الشرطة الفلسطينية (بموجب مؤهل متوسط)، الانخراط في صفوف المقاومة، بعد أن قتل الجيش الإسرائيلي 11 من زملائه في قصف استهدف مقرهم بمدينة نابلس، شمالي الضفة الغربية.

غموض شخصه، لم يوحِ لعائلته بضلوعه بعمليات ضد الجيش الإسرائيلي، إلى أن باغتت قوة أمنية إسرائيلية منزل العائلة في قرية عصيرة الشمالية قرب نابلس، في إحدى ليالي شهر رمضان شديدة البرودة في 14 ديسمبر 2001، واعتقلته أمام والديه وإخوته، وتم تقييده وإجباره على خلع ملابسه وضربه وسكب الماء البارد عليه وهو ملقى أمام المنزل.

حُكم فيما بعد على “الكايد” 14 عاماً ونصف، بتهمة الانتماء لكتائب “أبو علي مصطفى” الجناح العسكري لـ”الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين”، والقيام بأعمال عسكرية ضد الجيش الإسرائيلي.

مرّت سنوات الحكم ثقيلة وطويلة على المعتقل وعائلته، رحل خلالها والده عن الدنيا دون أن يراه، ومع كل يوم يتنهي كان “الكايد” وعائلته يعدون الساعات ويتحضرون ليوم الإفراج، إلا أن سيف “الاعتقال الإداري” قطع خيوط الحلم الذي نسجه بلال للحظة معانقة أمه وأشقائه؛ إذ تم تحويله قبل ساعات من إطلاق سراحه في 13 يونيو الماضي، بعد قضاء محكوميته كاملة، لـ”الاعتقال الإداري”.

“الاعتقال الإداري” هو قرار توقيف دون محاكمة لمدة تتراوح بين شهر إلى 6 أشهر، ويجدد بشكل متواصل لبعض المعتقلين، وتتذرع إسرائيل بوجود ملفات “سرية أمنية” بحق الشخص الذي تعاقبه بهذا النوع من الاعتقال.

وفي 17 يوليو الماضي، بدأ مئات الأسرى الفلسطينيين إضرابًا مفتوحاً عن الطعام؛ دعمًا لبلال كايد، الذي استطاع بصموده في إضراب عن الطعام دخل يومه الـ55 اليوم، تفجير موجة جديدة من الإضرابات في سجون إسرائيل.

تلاشت الفرحة، وحلّت دموع الفقد من جديد على وجنتي أم بلال، التي عادت وخبأت قائمة أسماء العرائس التي وضعتها له لأجل غير مسمى، أما هو، فأعلن رفضه لقرار تحويله للإداري، وبدأ بإضراب مفتوح عن الطعام في سبيل الحرية في نفس يوم تحويله للاعتقال الإداري، وهو نفس اليوم الذي كان مقررا الإفراج فيه عنه.

يقول محمود شقيق بلال الكايد، للأناضول: “كنا قد أتممنا مراسم استقبال أخي بلال في الثالث عشر من يونيو الماضي، وذهبنا لانتظاره على أحد الحواجز الإسرائيلية؛ حيث كان من المقرر الإفراج عنه هناك، لكن اتصالاً من محاميته قلب كل شيء، حين أخبرتنا أنه تم تحويل بلال للاعتقال الإداري”.

ويضيف: “الاحتلال يعمد لكسر النماذج الحية والنضالية التي لم يستطع كسرها طيلة سنوات؛ فهو لا يريد نماذج مقاومة ورافضة، ويريد تدجين الشعب، وأن يخرج السجين إما أن يخنع ويهان وإما أن تصيبه إعاقة لا يستطيع مواصلة حياته الطبيعية بها”.

“عنيد” هي الصفة التي يجمع عليها ذوو المعتقلين الفلسطينيين الذين خاضوا إضرابات مفتوحة عن الطعام في السجون الإسرائيلية للمطالبة بحريتهم، وهي ذاتها التي تم وصف بلال بها على لسان شقيقه محمود.

يقول محمود: “بلال شخص عنيد، وغامض، ويملك كاريزما خاصة، وشخصية قيادية منذ طفولته، وخلال وجوده في السجن كان ممثلا عن أسرى الجبهة الشعبية وناطقاً باسمهم”.

وتمكن بلال من دراسة الثانوية العامة (المؤهلة للجامعة) داخل السجن، والتحق بجامعة إسرائيلية وأخرى فلسطينية لمواصلة تعليمه (عن بعد)، لكن مصلحة السجون الإسرائيلية كانت تساومه على إكمال دراسته مقابل التنازل عن بعض الحقوق التي كان يطالب بها للأسرى، بصفته ممثلا عنهم، حسب شقيقه.

ويضيف محمود: “لم يستسلم بلال لظروف السجن، وتعلم اللغات العبرية والإنجليزية والفرنسية، وفي آخر فترة من اعتقاله كان يتعلم الألمانية”.

ويرقد بلال في مستشفى برزلاي الإسرائيلي، (نقل إليه بعد مرور 30 يوما على بدء الإضراب) مكبلا بالسرير من يده اليمنى وقدمه اليسرى، ومحاطاً بثلاثة سجانين، ويرفض أخذ الفيتامينات والمدعمات أو إجراء أي فحوصات طبية، حسب “مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان” (غير حكومية).

وأشارت مؤسسة الضمير، في بيان لها وصل “الأناضول” نسخة منه، أن بلال يشعر بالتهاب في القصبة الهوائية، وتمزق بالأحبال الصوتية، ويعاني من آلام حادة بالرأس والعينين، لدرجة أنه أصيب بعمى مؤقت استمر حوالي ساعتين الأسبوع الماضي، وتكررت هذه الحادثة أكثر من مرة خلال الأسبوع الأخير.

وذكرت المؤسسة على لسان المحامية فرح بيادسة، التي تمكنت من زيارته في اليوم الأربعين من إضرابه: “أنه يشعر بتعب عام في جسمه، ولا يستطيع النوم بسبب الأوجاع والإعياء، إضافة إلى أنه يعاني من هبوط مستمرّ بالوزن لم يتمكن من تحديده كونه لم يجر أي فحص”.

وقال بلال للمحامية بيادسة إن الأطباء حذروه من خطر تعرضه لجلطات كونه لا يتناول سوى الماء منذ بداية إضرابه؛ مما يزيد من ميوعة الدم، وأنهم حاولوا إقناعه إجراء فحوصات للدماغ ونقله إلى مستشفى العيون، ولكنه مصرّ على موقفه الرافض للفحوصات الطبية.

وخاض عدد من المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية إضرابات مفتوحة عن الطعام في وقت سابق استطاعوا خلالها من تحقيق مطالبهم بالإفراج ونيل الحرية.

وتعتقل إسرائيل في سجونها نحو 7 آلاف فلسطيني، حسب إحصاءات فلسطينية رسمية حديثة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *