الثالثة تيفي

مواقف و قضايا

حوارات وتقارير

عرب وعجم

انتصار”التحكم”.

ندما أنهى عبد الإله بنكيران ،خطابه في مهرجان إفتتاح حزب العدالة والتنمية، للحملة الإنتخابية الأخيرة ،لم تلتفت الصحافة كثيرا الى حجم النشاط و هندسة “إخراجه”و بعده الجماهيري ،وهو المهرجان الذي فرضت سياقات المرحلة أن يقرأ كذلك كإستعراض للقوة ،خاصة بعد مسيرة القرن ،التي جسدت أزمة خيال فادح و ضعفا تنظيميا كاريكاتوريا و غباءا سياسيا على قدر كبير من الإحترام.
عوضا عن ذلك ، الإهتمام كان قد إنصب بدرجة أكبر على قياس تردد كلمة “التحكم” داخل نص الخطاب .
ولأول مرة لم يكن الحدث ” جملة صغيرة” معدة بعناية و مبثوتة داخل المتن،أو استطرادا عفويا من لحظات الإرتجال و الخروج عن النص التي تحضر كثيرا في آدائه الخطابي ،أو رسالة سياسية واضحة .
الحدث لم يكن ما قاله بنكيران.
الحدث كان غياب “كلمة” عن الخطاب .
والكلمة لم تكن سوى “التحكم”.
بين إجتهادات الصحافة وتأويلات المتتبعين و إنطباعات الرأي العام ،كانت الكلمة الغائبة /الحاضرة ،الغارقة في الإلتباس والغموض ، قد أضحت تحمل طابعا شبه سحري.
الكثيرون كانوا قد ربطوا بين الصوم المفاجئ عن الكلمة التي كانت قد تحولت إلى مايشبه توقيعا خاصا للخطاب البنكيراني،وبين اللهجة التحذيرية الصارمة الواردة في بلاغ الديوان الملكي ذي الصلة بتصريحات نبيل بنعبدالله ،حول (إطلاق تصريحات لا أساس لها من الصحة، واستعمال مفاهيم تسيء لسمعة الوطن، وتمس بحرمة ومصداقية المؤسسات ).
أكثر من ذلك سمحت لغة البلاغ ،بالوقوف على تقاطع واضح مع منطوق الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى الأخيرة لعيد العرش ،وهو يقف معبرا عن إستغرابه ،من قيام البعص ( بممارسات تتنافى مع مبادئ وأخلاقيا ت العمل السياسي، ويطلق تصريحات ومفاهيم تسي ء لسمعة الوطن، وتمس بحرمة ومصداقية المؤسسات، في محاولة لكسب أصوات وتعاطف النا خبين).
وهو التقاطع(التناص ) الذي سمح بإعادة تفسير الجهة الموجهة إليها عبارة “التصريحات المسيئة لسمعة الوطن ..”الواردة في الخطاب ،بل و ربط مضمونها مباشرة بمفهوم التحكم.
كانت إذن كلمة “التحكم” قد أصبحت كلمة رجيمة ، وموضوع تحفظ رسمي شبه معلن،لكنها في نفس الوقت كانت قد تحولت إلى مايشبه رمزا(قن )سريا ،في لغة التواصل بين بنكيران و بين الجمهور ،رمز قد يحضر بالغياب أو بالاحالة أو بالاستعارة ،أو بمجرد استحضار مفاهيم مجاورة من شبكة الكلمات التي صنعت تواطئا تواصليا غير مسبوق ،بين منتج الخطاب و متلقيه.
قبل ذلك كانت هذه الكلمة الغامضة قد تحولت إلى عنوان بسيط يختزل خطاطة قراءة معينة للحقل السياسي ،بشكل لا يبتعد كثيرا في المضمون عما كانت قد أنتجته الحركة الوطنية ،تم اليسار ،من مفاهيم ،انطلاقا من القوة الثالثة (بلغة عابد الجابري )،وصولا إلى جيوب مقاومة التغيير(بلغة اليوسفي )،مرورا بالحزب السري(بلغة محمد اليازغي ).
وهي الكلمة التي يعكس سحرها ،النفوذ الايديولوجي لأصحابها، ذلك أن إنتاج المعجم السياسي،ظلت دائما مسألة ذات علاقة برهانات الهيمنة الثقافية و التفوق السياسي، خاصة عندما تفرض اللغة نفسها خارج عائلتها السياسية الأصلية ،وتصبح جزءا من المشترك التواصلي.
ربما هو فيكتور هيغو من قال (عندما تقع الثورات انتبهو للمعاجم ).
في المغرب لم تقع ثورة .لكننا لابد من الانتباه إلى المعجم،ذلك ان الانتصارات السياسية قبل ان تكون في الإنتخابات، تكون أولا في اللغة.
لذلك فانتخابات 2016 ،هي كذلك انتصار “التحكم”/الكلمة، و التحكم/الأسلوب التواصلي.
الأمر لا يتعلق بالانتصار ،بل كذلك بالفشل .ذلك ان فشل اللغة يسبقه حتما الفشل في السياسة.
من ذلك أن حزبا ظل يلهم الحوار العمومي ،بالأفكار والمفاهيم واللغة ، أصابته أزمة خيال حادة ،منعته من مجرد التفكير في كلمة (مجرد كلمة )،أو جملة (مجرد جملة )،ليقدمها عنوانا مكثفا لبرنامجه الإنتخابي، فما كان منه الا أن لجأ بسذاجة تواصلية مخيفة إلى أن يعوض ذلك برقم !.
رقم أحمق ،لا يحمل فكرة ولا معنى ولا روحا ولا إحالة على مشروع أو مرجعية أو تاريخ أو مستقبل!
كأن اللغة قد ماتت عند هذا الحزب!
كأن السياسة قد ماتت في هذا الحزب!
كأن الحزب قد مات في هذا الحزب!

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *