الثالثة تيفي

مواقف و قضايا

حوارات وتقارير

عرب وعجم

“وادي المخازن”.. معركة شاهدة على تعاون مغربي تركي قديم

اختار “المعرض الدولي للفَرَسُ (واحد الخيل)” بالمغرب أن يحتفي بمعركة “وادي المخازن” التي انتصر فيها “الفرسان المغاربة” على الجنود البرتغاليين والإسبان، والتي تؤرخ لجانب من التعاون العسكري المغربي التركي.
في وسط المعرض الذي استضافته مدينة الجديدة، خلال الشهر الجاري، انتصب رواق باسم “فرسان السعديين”، اختار القائمون عليه أن يُذكروا من خلاله بالتاريخ العسكري المغربي، وبدور الفرس والفرسان في إحدى المعارك الشهيرة في التاريخ الحديث، وهي “معركة وادي المخازن” (4 غشت 1578).
رواق ضم مجسما لأحداث المعركة التي جرت رحاها بين الجنود السعديين والبرتغاليين، شمالي المغرب.
كما ضم نماذج لبعض المخطوطات التاريخية المتعلقة بهذه المعركة، ونماذج للباس الجنود السعديين آنذاك.
وكانت الدولة السعدية (1554-1659) انطلقت من جنوب المغرب، وتحديدا من مدينة تيدسي ثم تارودانت، وهي منطقة يشرح محمد زين العابدين الحسيني، الباحث في التاريخ العسكري، ومدرس في الأكاديميات العسكرية المغربية، أهميتها آنذاك.
يقول “الحسيني”، للأناضول، إن هذه المنطقة “قريبة من جبال الأطلس الصغير المتوفرة على معادن”؛ لذلك برع السعديون في صناعة الأسلحة التي كانت في البداية بيضاء (عبارة عن أدوات حادة) لمواجهة الإسبان والبرتغاليين بالمغرب الذين كانوا يحتلون السواحل في إطار الكشوفات الجغرافية”.
هذه الظروف أدت إلى تكوين جيش بتعاون بين المغرب والعثمانيين مكون من الخيالة (الفرسان) والمشاة والمدفعية، ليتحول الجيش المغربي من السلاح الأبيض إلى السلاح الناري، حسب الباحث المغربي، والذي اعتبره “تحولا هاما” في التاريخ العسكري المغربي، “حيث ظهرت لأول مرة بالمغرب صناعات للمدفعية والبنادق، بل وحتى المسدسات التي تعمل بطريقة سريعة (سريعة الطلقات)”.
في هذا السياق، اندلعت المواجهة بين المغاربة من جانب والبرتغاليين والإسبان من جانب آخر في معركة “وادي المخازن”، التي تعرف كذلك بمعركة “الملوك الثلاثة”، وهي المعركة التي “جند لها الملك البرتغالي سبستيان، الذي تربع على عرش الإمبراطورية البرتغالية عام 1557، مجموعة من الجنود الأوروبيين بما فيهم الألمان والإيطاليين وحتى الفرنسيين كمتطوعين أو مرتزقة”، وفق “الحسيني”.
إذ وقف المغاربة في مواجهة الغزو البرتغالي لمنع البرتغاليين من التسرب إلى الشرق والمواجهة مع العثمانيين، الذين كانوا آنذاك في المغرب الأوسط (الجزائر حاليا)، وانتهت المواجهة بانتصار الجنود السعديون في معركة “وادي المخازن”.
وفي مواجهة الجنود الأوروبيين بقيادة الملك البرتغالي، استعان السلطان عبد الملك السعدي، إضافة إلى الجنود المغاربة ببعض الجنود الأتراك “بحكم أنه كان يعرف التركية، وتربى في تركيا لفترة طويلة، وشارك في إحدى معاركها”، حسب الباحث المغربي.
موقف يعتبره الحسيني “يدخل في إطار التفاعل والتعاون المغربي العثماني؛ لأن العثمانيين تربطهم بالمغرب رابطة الدين في الوقت الذي لم تكن تربطهم بالبرتغاليين والاسبان آنذاك أية رابطة”.
وكانت الفرق المكونة للجيش المغربي تتكون من فرقة الأندلسيين وفرقة المغاربة وفرقة من الأتراك، إضافة إلى مشاركة بعض القبائل، واستعملت في هذه المعركة الأسلحة النارية.
وسميت هذه المعركة بـ”معركة وادي المخازن”؛ لأنها وقعت في منطقة سهلية قريبة من وادي يحمل الاسم نفسه، تفصل هذا الوادي عن وادي كبير آخر هو “وادي اللوكوس” القريب من مدينة العرائش حاليا.
وكان جنود السعديون انطلقوا من الجنوب في مراكش إلى هذه المناطق، فيما انطلق البرتغاليون من أصيلة (أقصى شمال المغرب)، وفي “وادي المخازن” التقى الطرفان.
هجوم الجنود السعديين وحلفاءهم من الأتراك والقبائل كان في البداية بالمدفعية لمواجهة الخصم البرتغالي، بعد ذلك تم ترك المجال للخصم للولوج إلى الداخل ليتم تطويقه من الجانبين في إطار كماشة فكان انتصار السعديون في هذه المعركة، حسب وصف الباحث المغربي، “زين العابدين الحسيني”.
وفي هذه المعركة، سقط السلطان عبد المالك السعدي قتيلاً، بعدما أُصيب برصاصة، ليخلفه السلطان أحمد المنصور، الذي أُصيب بدوره برصاصة، لكن أزيلت منه بفضل وجود فرقة للطب العسكري في الجيش السعدي.
وفي هذا الإطار يشير الحسيني إلى أنه “لأول مرة توجد فرقة للطب العسكري في الجيش المغربي بشكل رسمي، بعدما كان الأطباء يشاركون في المعارك لكي يعالجوا المصابين أثناء سقوطهم”.
مشاركة الخيول في هذه المعركة كان عاملا مهما في تطويق الجيش السعدي للبرتغاليين.
وفي هذا السياق يوضح “الحسيني” أهمية فرقة المشاة، التي كانت ضمن الجيش السعدي؛ حيث “كان أفراد الفرقة يقومون أولا بالمواجهة على أقدامهم ثم يركبون الخيل، وكان هذا يشبه الانكشارية لدى العثمانيين الذين كانوا مشاة، وفي الوقت نفسه يمارسون ركوب الخيل”.
ولأن هذه المعركة تميزت باستعمال السلاح الناري، الذي يتطلب السرعة والتحرك بصورة مباشرة لمواجهة العدو، خصوصا أنهم كانوا بصدد التطويق العسكري، “فقد كان الجنود المشاة يجلسون أولا على الأرض، وكانت فرقة أمامية تقوم بالضرب بالبنادق وفرقة خلفهم تقوم بتزويدهم بالبنادق المملوءة بالبارود، وبعد ذلك يركبون على الخيول من أجل تطويق العدو في حالة دخوله في الوسط”.
وهو ما يعتبره الباحث المغربي “تحول هام” في المجال العسكري بالمغرب آنذاك.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *