الثالثة تيفي

مواقف و قضايا

حوارات وتقارير

عرب وعجم

التكامل المعرفي بين علوم الوحي والعلوم الكونية والإنسانية نحو مقاربة منهجية معرفية

photo-rachidi

إن فقدان المعرفة المتعلقة بالرؤیة الكلیة للكون والعالم والإنسان، وابتعادها عن مقاصد حیاة الإنسان، وغیاب وحدة الهدف والغایة الجامعة لمفرداتها، قضیة أصبحت تشكل تحدیاً للأمة المسلمة بوصفها مستوردة للمعرفة،ولما یحمله ذلك من آثار سلبیة على تشكیل عقل المسلم، وما رافق ذلك من الدعوة إلى إقصاء الوحي عن التربیة والتوجیه والتعلیم والنهضة بالأمة، وفسح المجال لتلك العلوم المستوردة التي تمحورت حول الإنسان والمجتمع، والتي نشأت في ضوء ما یحمله واضعها من فلسفة مادیة تجسّد نظرته إلى الكون والحیاة والإنسان، بل نظرته إلى الخالق الجلیل سبحانه وتعالى- كي تحتلّ المكانة العظمى، وتتفیّأ المنزلة الأهم في التربیة والتعلیم، دون أيّ اعتبار لتكامل خلق الإنسان وتكوینه ومتطلباته، فتجسّدت في هذه العلوم معاني تتنافر وغایة وجود الإنسان فكراً وسلوكا . ولما نشأت تلك العلوم وترعرعت واشتدّ عودها على أساس من تلك النظرة، ولما تفیّأت مكانة مرموقة في سلّم المعرفة الغربي أصبحت قبلة لكثیر من مثقفي هذه الأمة الذین انبهروا بنظریات الغرب الفلسفیة حول الإنسان والمجتمع والثروة، فأصبحوا مترجمین ناصحین وناقلین لتلك العلوم إلى المجتمعات الإسلامیة ومؤسساته التعلیمیة… وتلقّنها أبناء المسلمین فأحدثت ما أحدثت من فساد علمي ومعرفي قیمي هو أخطر من الفساد الأخلاقي والانحراف السلوكي.

لعل من أخطر ما یواجه المعرفة الیوم فقدانها البوصلة التي تحدد غایاتها وأهدافها، و انفراط محتواها واتجاه أجزائها إلى نحو من العزلة والاستقلالیة عن بعضها بعضا ، لنجد بعد فترة من الزمن أن المعرفة قد تقزمّت عند كلّ صاحب اختصاص، فلا نقطة ارتكاز تجمعها، ولا غایة توحدها. ویظهر ذلك حین یمارس المسلم نشاطه العلمي والمعرفي بعیداً عن معتقداته ومبادئ دینه الحنیف، فكیف یمكنه ممارسة معتقداته وشعائر دینه من خلال تفكیر معرفي صحیح، و سلوك عملي مستقیم؟ وهل یمكن أن تسیر أنواع المعارف والعلوم كل بمعزل عن الآخر؟ وهل یصح أن تبقى تلك المعارف والعلوم جزراً متقطعة الأوصال لا یجمع بینها جامع؟ وعلى صورة من الصور كان التكامل المعرفي قائماً في أذهان كثیر من علماء الأمة، بل كان شیوعه ثقافة دارجة و أمرا مسلما ، وقد كان تحقیقه وفق الرؤیة الكلیة للوجود ومفرداته ضرورة ترتقي بالباحث إلى وصف “عالم”. وبنظرة سریعة إلى علوم الكون والإنسان والشریعة التي ألّف فیها الإمام الرازي مثلاً، سنجد موسوعة معرفیة متكاملة أسهمت في بناء ثقافة الأمة.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *