الثالثة تيفي

مواقف و قضايا

حوارات وتقارير

عرب وعجم

إدارة التماطل

من الشعارات التي كان يُرددها الطلبة في الزمن الجميل خلال وقفاتهم الاحتجاجية أمام مقر العمادة، شعار جاء في لازمته “إدارة التماطل، وطول الانتظار..”، احتجاجا على رفض الإدارة الجامعية الاستجابة لمملفهم المطلبي المشروع والذي لا يتعدى توفير الكتب في المكتبة، وتخفيض سعر المواد الغذائية التي تُبَاع في المقصف الكلية، وتسجيل الطلبة، وغيرها من النقط التي يتضمنها جدول أعمال لقائهم مع العميد لتلبية مطالب شريحة من المُواطنين والمواطنات تسمى “الطلبة”، هؤلاء الطلبة يرفعون شعارات احتجاجية في وجه الإدارة التي تتامطل في توفير الضروريات الأساسية من أجل استمرار الحياة الطلابية، وهو نفس التماطل الذي يواجهه المواطن مع إدارات أخرى، عندما يلجأ إليها من أجل قضاء أحد أغراضه، حيث يتم التعامل مَعه بمنطق “سير وآجي”، و”وطلع وهبط”، حتى أصبح التوجه إلى أي مؤسسة إدارية مثل الجحيم الذي يضطر المواطن إلى شراء عَلى مضض تذكرة ذهاب وإياب إليه، ويَنْتظر متى تنتهي هذه الرحلة المُؤلمة.

طبعا ليست كل الإدارات بهذا السوء، إذ يُوجد مُوظفون وموظفات “أولاد وبنات ناس”، يتفانون في عملهم ويخلصون في أداء واجبهم تجاه كائن إسمه “المواطن” الذي قد يتفاجأ في بعض الأحيان من حرارة الاستقبال التي يخصه بها الموظف، لكن في أغلب الأحيان يوجد جفاء وتعامل بطريقة فجة مع المرتفقين، ومن ذلك تكرهم ينتظرون لساعات طويلة، بل أحيانا لأيام وأسابيع من أجل الحصول على وثيقة بسيطة جدا يؤدي عليها المواطن رسما من جيبه.

الخطاب الملكي في افتتاح الدورة الأولى من الولاية التشريعية العاشرة، وجه انتقادا لاذعا لهذا النوع الكسول من الإدارة الذي لا يواكب التحولات التي عرفتها بلادنا، سيما الاصلاح الدستوري والاصلاحات الأخرى التي رافقته، لكن رغم ذلك كما جاء في الخطاب الملكي، ما زال المواطن يلجأ إلى جَلالة الملك يشكو إليه ظلما أصابه، أو عرقلة واجهها هذا المُرْتَفق في إحدى الإدارات العمومية، وفي الوقت الذي أعرب الملك عن اعتزازه باستقبال هؤلاء المشتكين، فإنه وجه تقريعا مباشرا للإدارة التي لا تقوم بواجبها رغم أن نصف ميزانية الدولة مَرصُودَة لها وتستهلكها كتلة الأجور.

ومثل هذا التماطل الذي يَجده المُرْتفق في الإدارة العمومية، يجده المسؤول السياسي الذي قد يُصْدر قرارات في صالح المُوَاطنين، لكن الجهة الوحيدة المخول لها ترجمها على أرض الواقع هي الإدارة التي تشتغل بشكل بطيء لا يواكب السرعة المطلوبة في الإنجاز، ليس بسبب كسل الموظفين أو غياب كفاءتهم بل يرجع ذلك إلى تعقيد المساطر الإدارية التي تعيق عملهم وتجعل كل واحد منهم يخاف من المغامرة بمنصبه، فيختار أفضل طريقة هي مُعَالجة الملفات المَوْضوعة أمامه بأسلوب الذي يمشي على البيض، فتضيع مصالح المواطنين والمواطنات.

الإدارة هي الآلية الأساسية التي بدونها لا يمكن لأي حُكُومة تنفيذ برنامجها الحكومي وتنزيله عَلَى أرض الواقع، وأي تقصيرمن قبل هذه الآلية لأسباب ذاتية وموضوعية، يقف حجرة عثرة أمام تحقيق التنمية ونقل المغرب إلى دائرة الدول الصاعدة.

بلادنا أنجزت إصلاحا دستوريا متميزا، ونجحت في امتحان الديموقراطية حيث تم احترام الإرادة الشعبية في اختيار من يمثلها في البرلمان والحكومة والجماعات الترابية، لكن هذا وحده لا يكفي إذ لابد من إصلاحات أخرى على رأسها الإصلاح الإداري من خلال تبسيط المساطر وأيضا إعمال مبدأ ربط المسؤولية بالمُحَاسبة، ليس فقط معاقبة المخالفين للقانون، بل تتم المحاسبة “الإيجابية” الذين يشتغلون بتفان وإخلاص، من خلال تحفيزات مادية ومعنوية.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *