الثالثة تيفي

مواقف و قضايا

حوارات وتقارير

عرب وعجم

تاريخنا المنسي معركة الزلاقة

ومع سلسلة معارك الإسلام أقف معكم هذه الليلة ومع الدرس السابع من سلسلة هذه الدروس، ومع معركة من كبرى المعارك التي خاضها المسلمون مع النصارى في الجهة الغربية من العالم الإسلامي، وهي معركة “الزلاقة” التي وقعت في أرض الأندلس، ومع بطل هذه المعركة يوسف بن تاشفين -رحمه الله- الذي أدّب النصارى هناك ولقنهم درساً، أَخّر تقدمهم واحتلالهم لبلاد المسلمين لعدة قرون.

ومن الإنصاف أن نقول أن المؤرخين لم يوفّوا يوسف المغرب حقه، مثلما وفوا ليوسف المشرق، وهو يوسف صلاح الدين الأيوبي -رحمه الله- فقد زخرت المكتبة الإسلامية بترجمات حياته، وتحليلات سيرته وبدراسات حطين، لذلك فاسم يوسف المشرق قريب من مسامع الصغير والكبير والأمي والمتعلم، بينما لم يُوفَّ من حق يوسف بن تاشفين إلا النـزر اليسير، مع العلم أن البطلين تصديا لحركة صليبية واحدة، تصدى صلاح الدين في المشرق لمعظم الدول الأوربية، وتصدى ابن تاشفين في الأندلس للأسبان ومن معهم من الفرنسيين والألمان المرتزقة، ومن الأخطاء التاريخية أن مؤرخي الحروب الصليبية في المشرق، ينسون الحروب الصليبية في المغرب.

وقبل الحديث عن تفاصيل هذه المعركة لا بد من مقدمة نتصور بعض أحوال العالم الإسلامي في تلك الفترة.

انتصرت رايات العباسيين في الشرق على رايات بني أمية، ولكن سلطة الأمويين لم تنته بقيام الدولة العباسية سنة اثنين وثلاثين ومئة للهجرة؛ لأن عبد الرحمن الداخل استطاع أن يؤسس إمارة أموية في الأندلس سنة ثمان وثلاثين ومئة للهجرة. وبسبب ضعف الخلافة العباسية وقيام الخلافة الفاطمية في الشمال الإفريقي، أصبحت هذه الإمارة الأموية في الأندلس مهددة، عندها أعلن عبد الرحمن الناصر الخلافة في الأندلس وتلقب بأمير المؤمنين الناصر لدين الله. ولا أريد الدخول في تفاصيل قيام هذه الدولة وسقوطها، لكن في عام أربع مئة للهجرة بدأ ما يسمى بعصر الطوائف في الأندلس، وهي الخلافات بين الأمراء وبسبب ذلك سقطت الخلافة الأموية في الأندلس، وذهبت نتيجة أطماع الولاة من جهة، وبسبب انحلال الشعب من جهة أخرى، وهكذا سقطت الخلافة الأموية في الأندلس وانقسمت إلى دويلات، وتكونت أربع دول رئيسة:

في جنوب الأندلس حكم الأدارسة. وبنو عباد صاروا أمراء اشبيلية، أقوى ملوك الطوائف. وبنو ذي النون أمراء طليطلة. وبنو عامر في بلنسية ومرسية الذين حكموا في شرقي الأندلس.

كان حال المسلمين في الأندلس في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري حالاً يرثى لها، حيث الخصومة والتطاحن والحروب، حتى إن بعضهم لم يتورع عن التحالف مع الدول النصرانية، أو أن يستمد عونها نظير الجزية، حتى أن المأمون يحي بن ذي النون بطش بمحمد بن جهور -أمير قرطبة-، فاستجار محمد بن جهور بجيرانه بني عباد أمراء اشبيلية، فهاجم جيش ابن عباد الجيش المحاصر لقرطبة، واحتل مراكزها الحصينة قبل أن يفطن القرطبيون إلى أن أصدقاءهم قد انقلبوا عليهم، وهكذا انهارت دولة بني جهور في قرطبة في محنة محزنة ولم يمض على قيامها ثلاثون عاماً.

ومن مساوئ الحروب الداخلية بين هؤلاء الأمراء أن دخلت طليطلة إلى حظيرة النصرانية بعد أن حكمها المسلمون ثلاث مئة واثنتين وسبعين سنة، وأحدث سقوط طليطلة رد فعل عنيفاً، أثار المسلمين في أنحاء الأندلس كلها، وانطلق الخطباء والشعراء في استثارة الهمم والتحريض على الجهاد والتحذير من تفاقم الخطر، ومما قيل في ذلك:

يا أهل أندلس حثوا مطيكم *** فما المقام بها إلا من الغلط

الثوب ينسل من أطرافه وأرى *** ثوب الجزيرة منسولاً من الوسط

ونحن بين عدو لا يفارقنا *** كيف الحياة مع الحيات في سفط

وهكذا بدأ القتال ضد المسلمين في الأندلس يتخذ صفة الحرب الصليبية، ولم يلبث البابوات حتى صار لهم دور في توجيهها، ورأى الأمراء المسلمون جميعاً شبح السقوط ماثلاً أمام أعينهم، فاتحدوا لأول مرة، واجتمعت كلمتهم على أن يضعوا حداً للحرب الصليبية، وإذا كانت قواهم مجتمعة لا تكفي لرد عدوانهم، فقد اتفقت كلمتهم على الاستنجاد بالمرابطين في إفريقية واستدعائهم إلى الأندلس. فمن هم المرابطون؟

كانت هناك العشرات من القبائل البربرية تعيش في بلاد المغرب وفي الصحراء الكبرى، تصل إلى أكثر من سبعين قبيلة. وكان الجهل والفوضى يسودان تلك المناطق، اشتهرت بعض تلك القبائل في التاريخ باسم الملثمين، وأصبح اللثام شعاراً عرفوا به، بدأ بالدعوة إلى الله في هذا الوسط المليء بالانحرافات رجل يسمى عبد الله بن ياسين حيث وجد أكثر الملثمين لا يصلون ولا يعرفون من الإسلام إلاّ اسمه، وعمّ الجهل عليهم وانحرفوا عن معالم العقيدة الصحيحة، وتلوثت أخلاقهم، واصطدمت تعاليمه بمصالح عدد من أمراء القبائل وكادوا أن يقتلوه، فانتقل إلى مصب نهر السنغال، وأنشأ رباطاً هناك اجتمع حوله جماعة ممن تعلق به بعدما انتشر واشتهر صيته بين القبائل. هذا التجمع كان هو النواة فيما بعد لإقامة دولة سنية قوية في بلاد المغرب سميت بدولة المرابطين، وليس المجال هنا للتفصيل، هذه التسمية جاءت من قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [(200) سورة آل عمران]. قامت هذه الدولة على نشر الإسلام، وتعليم الناس أحكام الشريعة. وصل الحكم لأحد ولاة هذه الدولة وهو أبو بكر بن عمر، وبينما كان أبو بكر مشغولاً بتخطيط عاصمته الجديدة مراكش نشبت حرب أهلية بين قبيلتي كدالة ولمتونة، فهرع إلى الصحراء لكي يَحُول بتدخله دون أن تبطش إحدى القبيلتين بالأخرى، ولما تعذّر إقناع القادة من الفريقين بعقد الصلح، بادر إلى نجدة قبيلة لمتونة، واستخلف ابن عمه يوسف بن تاشفين وأمره أن يُتِم تخطيط مدينة مراكش وبناءها. عاد أبو بكر من مهمته فاستقبله يوسف بن تاشفين بالهدايا الثمينة، فعرف أبو بكر أن الأمور قد استقرت ليوسف، فلم يطمع في الملك لنفسه، وتنازل ليوسف عن ولاية المغرب طواعية، ثم عاد إلى الصحراء يصحبه نصف جيشه، وعاش أبو بكر يجاهد في بلاد السودان، ويعمل فيها على نشر الإسلام حتى توفى هناك سنة أربع مئة وثمانين للهجرة. وقلَّما يسجل لنا التاريخ مثل هذه الحادثة الرائعة التي يتنازل فيها شخص عن الحكم للأكفأ والأفضل والأصلح. عاد أبو بكر إلى الصحراء، وقال ليوسف بن تاشفين: “أنت أخي وابن عمي، ولم أر من يقوم بأمر المغرب غيرك، ولا أحق به منك وأنا لا غناء لي عن الصحراء، وما جئت إلا لأسلّم الأمر إليك، وأعود إلى الصحراء مقر إخواننا، ومحل سلطاننا”.

وعند قيام دولة المرابطين، كان العالم الإسلامي مجزأ إلى دول، ففي الأندلس ملوك الطوائف كما ذكرنا، والسلاجقة استولوا على العراق من يدي بني بويه، والفاطميون في مصر.

وطّد يوسف بن تاشفين سلطانه في المغرب الأقصى، فهو الرجل الذي خُلق للزعامة، فوحّد المغرب كله ولأول مرة تحت سلطة مركزية، وتجلت مواهبه منذ استلامه زمام السلطة، وظهرت أخلاقه الرائعة في الحكم منذ أيامه الأولى، وكان جوده وتواضعه واحتقاره لمظاهر الترف في الملبس والمسكن يكسبه محبة شعبه. كوّن ابن تاشفين جيشاً زهاء مئة ألف مجاهد، وقسّم هذا الجيش إلى خمس فرق، فإذا ما أراد أن يغزو جهة معينة دقت الطبول وسارت هذه الفرق تحت أعلامها وراياتها الخاصة؛ لمقاتلة العدو في أكمل نظام، وبأروع قيادة.

توحدت جهود النصارى واتفقوا على سحق دولة الإسلام في الأندلس معتقدين جازمين أن قدراتهم كافية لهذه المهمة لذا لم يخالجهم شك في أنهم سيُخرجون المسلمين من الأندلس، وقد حل اليوم المناسب لذلك، وبدا كل شيء عندئذٍ ممكناً وبخاصة بعد أن سقطت طليطلة في أيديهم.

ونبذت الممالك النصرانية كل خصوماتها التي كانت تشل قواها فيما مضى، وسار الجميع متحدين بجيش ضخم، ووصلوا إلى ضواحي اشبيلية فأحرقوا قراها وحقولها، وأثخن النصارى بالنار والسيف، ولم يكن يردهم في الحرب أي اعتبار إنساني، ولكن الحصون الإسلامية قاومتهم مقاومة شديدة بعد أن أصبحت قواتهم في حالة يرثى لها، فقد كانت دون قوى النصارى. فتطلعوا إلى عون من الخارج فاتجهت أبصارهم إلى قوة المرابطين الدولة الناهضة في إفريقية.

لقد أخطأ المعتمد بن عباد أعظم أمراء الأندلس في معاونة النصارى على محاصرة طليطلة، بيد أنه تنبه إلى خطئه، فصار أوفر أمراء الأندلس نشاطاً لتحطيم قوى النصرانية، فاجتمع مع الأمراء الآخرين في اشبيلية، ثم في قرطبة، واتفقوا على أن يرسلوا سفيراً إلى يوسف بن تاشفين يلتمسون عونه، فكُتبت رسالة وقع عليها ثلاثة عشر من الأمراء المستقلين.

وصلت الرسالة إلى ابن تاشفين فاستشار مجلسه الاستشاري الذي كان يضم عدداً من الفقهاء، ووضح لهم أن في الشاطئ الآخر لمضيق جبل طارق عدواً للإسلام يريد القضاء عليه، واستنهض هممهم بدافع من دينهم الذي يذودون عنه أن يبادروا إلى عون إخوانهم المسلمين في الأندلس.

كانت التجارب قد صقلت زعيم المرابطين يوسف بن تاشفين، وبلغ ذروة النضج، فقد كان يومئذ قد تجاوز السبعين من عمره، وسأل كاتبه النصيحة فقال له: “كيف ستكون الحرب في جزيرة وعرة البسائط تعترضها جبال صعبة المسالك؟ وأية صداقة تربطنا بملوك الطوائف؟ والرجل الذي استدعاك بينه وبينك عتاب قديم، ولا صداقة متصلة معه؟ وأية ضمانات تحملك على عونهم؟ وأية مواثيق يقدمونها لك إذا انتصر العدو؟ فقد يُقطع عليك طريق العودة إلى إفريقية! فإن عزمت على نجدتهم، فاطلب من أمير اشبيلية إخلاء حصن الجزيرة لتمتلك موضعاً أميناً تشغله حامية مخلصة من المرابطين، تبقى في كل وقت على اتصال دائم بإفريقية تجعل فيها أثقالك وأجنادك، ويكون الجواز بيدك متى شئت”. وفي هذه الأثناء كان ملك النصارى لا يزال يثخن في أراضي المسلمين.

هيأ ابن تاشفين نفسه وجيشه للعبور إلى الأندلس، أثناءها دفع الأمراء المسلمين الجزية للنصارى، وبعضهم سلموا حصون الحدود وهادنوهم، سياسة منهم حتى يصل ابن تاشفين، فأرسل ملك النصارى يهودياً خبيراً بالنقد لاستلام الجزية والتحقق من صحة النقد، فلما حُمل إليه المال، أبى اليهودي أن يتقبله دون فحص للتحقق من صحته، ودار نقاش حاد فاقترح اليهودي على ابن عباد أن يعطيه سفناً حربية بقيمة الجزية إن رفض فحص النقود، فازداد غضب المعتمد بن عباد، ثم قال اليهودي لابن عباد أن زوجة ملك النصارى على وشك الولادة، وأن الأطباء قد أشاروا على الملك بالولادة في جامع قرطبة، فلم يحتمل ابن عباد هذه الإهانة فأخذ محبرة كانت بين يديه فأنزلها على رأس اليهودي فألقى دماغه في حلقه، ثم أُمر به فصلب منكوساً بقرطبة. واستفتى ابن عباد الفقهاء لما سكت عنه الغضب عن حكم ما فعله باليهودي، فبادره الفقيه محمد بن الطلاّع بالرخصة في ذلك؛ لتعدي الرسول حدود الرسالة إلى ما يستوجب قتله، فقال بعض الفقهاء لابن الطلاّع بعد ما خرجوا من عند ابن عباد عن هذه الفتوى، فقال لهم: “إنما بادرته بالفتوى خوفاً أن يكسل الرجل عمّا عزم عليه من منابذة العدو، وعسى الله أن يجعل في عزيمته للمسلمين فرجاً”.

بلغ ملك النصارى ما صنع ابن عباد باليهودي فأقسم بآلهته ليغزونه باشبيلية وأن يحاصره في قصره، فجرّد لذلك جيشين ضخمين.

استدعى ابن عباد ابنه وولي عهده “الرشيد” وأخبره أنه قد عزم أن يستدعي المرابطين إليه، وقرر تسليم حصن الجزيرة لابن تاشفين، وقال لابنه: “والله لا يُسمع عني أنني أعَدتُ الأندلس دار كفر ولا تركتها للنصارى فتقوم عليّ اللعنة في منابر الإسلام مثل ما قامت على غيري”. وخوّفه بعض حاشيته من ابن تاشفين وقالوا: “المُلك عقيم، والسيفان لا يجتمعان في غمد واحد”. فأجابهم ابن عباد: “تالله إنني لأوثر أن أرعى الجمال لسلطان مراكش على أن أغدو تابعاً لملك النصارى وأن أؤدي له الجزية، إن رعي الجمال خير من رعي الخنازير”. ثم أرسل سفارة إلى ابن تاشفين تحمل رسالة بخط يده وصف بها أمير المرابطين بأمير المؤمنين، ووصف له ما وصل إليه المسلمون في الأندلس من جرّاء خلافهم وتفرق كلمتهم إلى حالٍ يرثى لها، وذكر له كيف أنه ينقص في كل يوم من ملك المسلمين، وأن ملك النصارى انقض على أراضي المسلمين كالكلب المسعور يعيث فيها، ويفتح الحصون ويسبي النساء دون أن يتصدى له أحد من أمراء الأندلس. ومما قاله: “لقد غصت المساجد المتروكة بالقساوسة من أعداء الدين، ونشرت الصلبان فوق المنابر التي كان يُتلى فيها الأذان من قبل، وأخذت النواقيس تقرع من فوقها للقُدّاس بعد أن كان يدعى للصلاة”. وأرسل المعتمد ولده يزيد والي الجزيرة، ليُسلّم هذا الثغر الهام إلى المرابطين الذين عينهم ابن تاشفين لاستلامها.

قبل يوسف بن تاشفين الدعوة لنجدة الإسلام في الأندلس، ولما أنهى استعداداته أمر بعبور الجمال، فعبر منها ما أغضّ الجزيرة، وارتفع رغاؤها إلى عنان السماء، ولم يكن أهل الجزيرة رأوا جملاً قط ولا خيلهم، فصارت الخيل تجمح من رؤية الجمال ومن رغائها، وكان ليوسف في عبور الجمال رأي مصيب، فكان يحدق بها العسكر ويحضرها للحرب.

وفي ربيع الأول سنة 479 هـ عبر يوسف بن تاشفين بجيشه، وما كادت السفن تنشر قلاعها، حتى صعد إلى مقدمة سفينته ورفع يديه نحو السماء ودعا الله مخلصاً وقال “اللهم إن كنت تعلم أن في جوازي هذا خيراً وصلاحاً للمسلمين فسهّل علي جواز هذا البحر، وإن كان غير ذلك فصعبه حتى لا أجوزه”. فهدأ البحر، وجازت السفن سراعاً في أبدع جو إلى شاطئ الأندلس، ولما نزل أرض الأندلس سجد شكراً لله.

تسلّم ابن تاشفين قلعة الجزيرة الخضراء باحتفال حضره القضاة والفرسان، وحضره المعتمد ابن عباد أمير اشبيلية بنفسه، حيث خرج المعتمد إلى لقاء ابن تاشفين في مئة فارس ووجوه أصحابه، فأتى محلة ابن تاشفين، فبرز له ابن تاشفين وحده والتقيا منفردين فتصافحا وتعانقا وأظهر كل واحد منهما المودة والإخلاص فشكرا نعم الله، وتواصيا بالصبر والرحمة، وبشرا نفسهما بما استقبلاه من غزو أهل الكفر، وتضرعا إلى الله تعالى في أن يجعل ذلك خالصاً لوجهه.

وتعتبر الجزيرة مفتاح الأندلس، فأمر ابن تاشفين بتحصينها أتم تحصين، ورتب بها حامية مختارة لتسهر عليها، وشحنها بمقادير عظيمة من الأقوات والذخائر؛ لكي تغدو ملاذاً أميناً يلتجئ إليه إذا منيت الحملة بالفشل، ثم غادرها في جيشه إلى اشبيلية. وتعهد كل أمير من أمراء الأندلس أن يجمع كل ما في وسعه من الجند والمؤن، وأن يسير إلى مكان محدد في وقت معين. وعني أمير اشبيلية عناية خاصة بإعداد مقادير عظيمة من المؤن تكفي لتزويد جيش ضخم، واستطاع بذلك أن يسبق زملاءه الأمراء في اغتنام عطف ابن تاشفين، ولبث ابن تاشفين في اشبيلية ثمانية أيام يرتب قواته، وينتظر مَقدَم الأمراء الأندلسيين في قواتهم. وكان في هذه الأيام صائم النهار، وقائم الليل في تهجد وتلاوة لآيات كتاب الله الكريم، وأكثر من الصدقات وأعمال البر، فتملّك نفوس الناس. غادر يوسف بن تاشفين بجيشه اشبيلية مخترقاً أراضي أمير بطليوس الذي أمر بجمع الجند والخيل والدواب، ورتب ابن تاشفين قواته على النظام التالي: الفرسان في طليعة المرابطين، وعددهم عشرة آلاف، يقودهم أبو سليمان داود بن عائشة، أحد قواده الخاصين. تليهم قوات الأندلس ويقودها المعتمد بن عباد أمير اشبيلية، وكانت قوات الأندلس تؤلف وحدها جيشاً خاصاً منفصلاً عن جيش المرابطين. وسار هو بعدهم بيوم واحد، في جيش المرابطين يقوده هو بنفسه، وكان ينـزل في المساء في المحل التي يغادرها أمير اشبيلية في الصباح، ووصلت الجيوش قرب بطليوس، ولبث هنالك ثلاثة أيام.

في تلك الأثناء كان نبأ مقدم المرابطين إلى الأندلس قد وصل على جناح السرعة إلى معسكر النصارى، فعقد النصارى مجلساً من الكبراء ثم حشدوا قواتهم وتأهبوا بكل طاقاتهم لخوض المعركة الحاسمة مع فاتحي إفريقية، ووفدت في الوقت نفسه لنجدة النصارى سرايا من فرسان الأسبان والفرنسيين، واتخذ القتال صفة الحروب الصليبية، وكان للباباوات والأساقفة والرهبان دور كبير في توجيه هذه الحرب والحث عليها، فرفعوا صليبهم ونشروا أناجيلهم، وخرجوا يتبايعون على الموت، وأنذر أحد الملوك الذين عُيّن قائداً لهذه المعركة، أنذر ملوك وأمراء النصرانية في أوروبا، بأنهم إن لم يتداركوه بالعون، فإنه سوف يضطر إلى الصلح مع المسلمين، وسوف يتركهم أحراراً في عبور جبال البرانس ليدخلوا إلى قلب أوروبا، فجاءته الإمدادات من كل صوب. وكان عدد جيش المسلمين في هذه المعركة ثمانية وأربعين ألفاً نصفهم من الأندلسيين ونصفهم من المرابطين، بينما كان عدد جيش النصارى مئة ألف من المشاة وثمانين ألفاً من الفرسان، منهم أربعون ألفاً من ذوي العدد الثقيلة والباقون من ذوى العدد الخفيفة.

أرسل ملك النصارى رسالة إلى ابن عباد: إن صاحبكم يوسف قد تعنّى من بلاده وخاض البحور وأنا أكفيه العناء فيما بقي، ولا أكلفكم تعباً، أمضي إليكم وألقاكم في بلادكم رفقاً بكم وتوفيراً عليكم.

عسكر الجيشان المتحاربان في أرض سهل تتخلله الأحراش، تسمى بالزلاقة، وفرّق بين الجيشين نهر صغير، وضرب ابن تاشفين معسكره وراء ربوة عالية، منفصلاً عن مكان الأندلسيين، وعسكر الأندلسيون أمام النصارى الذين كانت جموع فرسانهم لا تدرك نهايتها الأبصار فكادت تبعث في قلوب الأمراء الأندلسيين اليأس من النجاح والظفر، وكان الموقف لا يحتمل التأجيل، فما تَحمِلُ هذه الجموع الهائلة من المؤن كان قليلاً مما يهدد الجيشين بالجوع إذا طال مكثهما وانتظارهما في تلك البقعة. لبث الجيشان كل منهما تجاه الآخر لا يفصلهما سوى النهر ثلاثة أيام، فأرسل ابن تاشفين إلى ملك النصارى كتاباً يخيّره فيه بين ثلاث: إما أن يعتنق الإسلام، أو يؤدي الجزية للمسلمين، فإذا أبى الاثنتين، فعليه أن يبادر بالأهبة إلى القتال. فكتب ملك النصارى إلى ابن تاشفين قائلاً له: إن غداً يوم الجمعة وهو يوم المسلمين، ولست أراه يصلح للقتال، ويوم الأحد يوم النصارى، وعلى ذلك فإني أقترح اللقاء يوم الاثنين . فوقع هذا الاقتراح من يوسف موقع الرضى، وتحدد اللقاء يوم الاثنين الخامس عشر من شهر رجب سنة تسع وسبعين وأربع مئة للهجرة، بيد أن المسلمين على الرغم من إرجاء موعد القتال إلى ما بعد أيام، لم يدّخروا وسعاً في التحوط ضد أية مفاجأة، وارتابوا من نيّات ملك النصارى لاسيما وقد عرفه المعتمد بن عباد أمير اشبيلية من قبل خداعه في الحروب، وعانا من جرائها غير مرة، فبعث ابن عباد عيونه بالليل ليرقبوا كل حركة في معسكر النصارى فرجع العيون مسرعين إلى المعتمد يخبرونه بأنهم سمعوا ضوضاء جيوش النصارى، واضطراب الأسلحة، متحققين من تحركهم. وكان خطة النصارى أن يبدؤوا ابن عباد بالقتال قبل ابن تاشفين؛ لأن المرابطين على حد زعمهم لا يعرفون البلاد وهم غريبون عن الأرض، والذي يرشدهم هو ابن عباد، فلو هزموه انكشف لهم جيش المرابطين. عندها بعث ابن عباد الكاتب برسالة إلى ابن تاشفين يخبره بغدر النصارى ويستحث نصرته. أمر ابن تاشفين بعض قواده أن يمضي بكتيبة رسم لها خطتها، وهي دخول محلة النصارى وإضرامها بالنار ما دام ملك النصارى مشتغلاً مع ابن عباد. جعل ابن تاشفين المعتمد بن عباد في قلب المقدمة، والمتوكل في الميمنة، وأهل شرق الأندلس في الميسرة، وباقي الأندلسيين في الساقة. بينما وزّع المرابطين في كمائن تفاجئ العدو بعد اصطدامه بجيش الأندلس، وستمنع الأندلسيين من التراجع أو الفرار. فخطة الزلاقة خطة مبتكرة رائعة، تؤمّن عنصر المفاجأة في المعركة بقوات احتياطية مرتاحة معدة للهجوم على معسكر العدو ذاته، والضغط عليه بشدة، لتثخن فيه من مؤخرة صفوفه، مع جو رهيب من دق الطبول التي تضرب بشدة من حول جيش المرابطين، فتشق بدويها الفضاء، لتبث الفزع في صفوف جيش النصارى، الذي لم يسبق له سماع مثل هذا الضجيج الذي تهتز له الأرض.

تهيأ الطرفان للمعركة، وتنبه المسلمون لغدر النصارى ووقف الرهبان والقُسس في صفوف الجيش النصراني يحثونهم على القتال، ووقف العلماء والفقهاء في صفوف المسلمين يحثون المجاهدين على الصمود والاستشهاد.

سيّر ملك النصارى القسم الأول من جنده لينقض بمنتهى العنف على معسكر الأندلسيين الذي يقوده ابن عباد، ولكن دُهش النصارى إذ رأوا أمامهم قبل أن يصلوا إلى المعسكر الأندلسي جيشاً من المرابطين قوامة عشرة آلاف فارس بقيادة داود بن عائشة، أشجع قادة ابن تاشفين وأقدرهم. ولم يستطع ابن عائشة أن يصمد للسيل الزاحف من النصارى لعنف الهجوم، ولكنه استطاع ببسالته أن يخفف من عنف الهجمة وأن يرغمهم بذلك على الارتداد إلى خط دفاعهم الثاني، وخسر المرابطون في رد هذا السيل الجارف خسارة بشرية كبيرة.

لقد هال ابن عباد منظر فرسان النصارى في دروعهم الحديدية، وفرّ بعض الأمراء الأندلسيين بعد أن أيقنوا قبل خوض المعركة بالهزيمة، بيد أن فرسان المعتمد بن عباد قاتلوا وقد أحاطت بهم من كل صوب آلاف مؤلفة من فرسان العدو، قاتلوا قتال الأسود الضواري، يؤازرهم الفرسان المرابطون بقيادة داود بن عائشة، واستحرّ القتال، وصبر ابن عباد صبراً عجيباً ذلك اليوم، وقد أثخنته الجراح، وضُرب على رأسه ضربة فلقت هامته حتى وصلت إلى صدغيه، وجُرحت يده اليمنى، وطعن في أحد جانبيه، وعقرت تحته ثلاثة أفراس، كلما هلك واحد قدّم له آخر وهو يقاسي حياض الموت، ويضرب يميناً وشمالاً. وأيقن النصارى بالنصر عندما رأوا مقاومة المعتمد تضعف تباعاً أمام سيل جندهم الجارف، ورأى حركة الفرار تتسع بين مسلمي الأندلس شيئاً فشيئاً، ولكن جيش المرابطين بقيادة ابن تاشفين كان يرابط وراء أكمة عالية، تحجبه عن أنظار النصارى، ولم يكن قد اشترك في المعركة بعد، ولم يشترك فيها مع الجيش الأندلسي من المرابطين سوى الآلاف العشرة من الفرسان بقيادة داود بن عائشة، ولكن قائد النصارى ظنّ خطأً أنه قد خاض المعركة مع قوى المسلمين كاملة. وفي هذه اللحظة الحاسمة الحرجة وثب يوسف بن تاشفين إلى الميدان في الوقت الذي أخذت فيه قوى النصارى في الهبوط وأرسل ابن تاشفين عدة فرق لمساعدة المعتمد، وبادر في الوقت نفسه بالزحف في حرسه الضخم واستطاع بحركة بارعة أن يباغت معسكر النصارى، وأن يحدق بهم، وكان قائد جيش النصارى يدفع جنده في غمرة المعركة دائماً إلى الأمام، في جهة ابن عباد، وبينما هو مشتغل بمطاردة ابن عباد، إذ به يقع فجأة على جموع فارّة من النصارى وقد كان أولئك حرس معسكره الخاص الذين انقض عليهم ابن تاشفين بجيشه الضخم واضطرهم إلى الفرار. فوجد المسلمون ريح الظفر وتباشروا بالنصر، فتزلزلت الأرض بحوافر خيلهم، وأظلم النهار بالعجاج والغبار، وخاضت خيول المسلمين في دماء النصارى، فعلم النصارى أن ابن تاشفين قد احتوى المعسكر النصراني، وفتك بمعظم حرّاسه، وغنم كل ما فيه، وأحرق الخيام، فتعالت النار في محلة النصارى وما كاد قائدهم يقف على هذا النبأ حتى ترك مطاردة الأندلسيين وارتد من فوره لينقذ محلته من الهلاك، وليسترد معسكره الذي انتزعه ابن تاشفين، ولكن ابن تاشفين لم ينتظر حتى يهاجمه العدو، بل انقض بجموعه المظفرة على النصارى كالسيل يحمل ما يصادفه، ومع أن النصارى كانت قد خبت قواهم من طول القتال، فإنهم قاتلوا قلب الجيش الإفريقي المرابطي بجلد. فأخذ ابن تاشفين يثب بجواده السريع بين جنده من صف إلى آخر وهو يذكي حماستهم للنصر أو الشهادة، لقد كان على فرس يمر في ساحات المسلمين، يحرضهم ويقوي نفوسهم على الجهاد والصبر، ولم يكن تشجيع يوسف ابن تاشفين لجنده بقدوته وأفعاله أقل من كلماته، فقد كان في مقدمة الصفوف يخوض غمار المعركة في ذروة لظاها، وقد قتلت تحته ثلاثة أفراس، وقاتل المرابطون أسوة بأميرهم، وهم يضطرمون شوقاً إلى الشهادة، ودام القتال المرير بضع ساعات، وسقطت ألوف مؤلفة وقد حصدتهم سيوف المرابطين حصاد الهشيم، ليسقطوا فوق دم الذين قتلوهم في بداية المعركة، وبدت طلائع الموقعة الحاسمة تبين قبل دخول الظلام، فقد لاحظ ابن عباد وابن عائشة عند رجوعهما أن النصارى قد كَفّوا عن المطاردة فجأة، وسرعان ما علما كيف مال النصر إلى جانب أمير المؤمنين أبي يعقوب يوسف ابن تاشفين، فجمعا قواتهما وهرولا إلى الميدان مرة أخرى، وهكذا أصبح جيش النصارى بين مطرقة ابن عباد، وسندان ابن تاشفين، وحقّت عليهم الهزيمة ولم يبق أمامهم إلا أن يقاتلوا قتال اليأس، وكانت الضربة الأخيرة، أن دفع ابن تاشفين بحرسه وقوامه أربعة آلاف إلى قلب المعركة، واستطاع أحدهم أن يصل إلى ملك النصارى، وأن يطعنه بخنجر في فخذه طعنة نافذة، وكانت الشمس قد أشرفت على المغيب، وأدرك الملك وقادته وفرسانه أنهم يواجهون الموت بعد أن أفل طالعهم كل الأفول، ولما جنّ الليل، وبسط الظلام حجابه على سهل الزلاقة، الذي غُطي بالجثث والدماء بادر ملك النصارى في قلة من صحبه إلى التراجع والاعتصام بتل قريب، ولما حلّ الليل انحدر ومن معه تحت جنح الظلام هارباً، ولم ينج من جيشه سوى أربع مئة أو خمس مئة فارس معظمهم جرحى، ولم ينقذ البقية من جيشه سوى الظلام حيث أمر ابن تاشفين بوقف المطاردة، ولم يصل إلى طليطلة فيما بعد من الفرسان الذين كانوا مع الملك سوى مئة فارس فقط.

وقضى المسلمون ليلهم في ساحة القتال يرددون أناشيد النصر شكراً لله عز وجل، فلما بزغ الفجر، حشدوا جموع الأسرى، وجمعوا الأسلاب والغنائم، وأعد ابن تاشفين من نصره الرائع منظراً مدهشاً لجيشه ما سُبق إليها من قبل، ذلك أنه أمر برؤوس القتلى فصفت في سهل الزلاقة على شكل هرم، ثم أمر فأُذِّن للصلاة من فوقها، وكان عدد الرؤوس لا يقل عن عشرين ألف رأس، وأدوا صلاة الصبح في سهل الزلاقة.

كانت معركة عظيمة نصر الله فيها الإسلام، وخذل فيها عبدة الصلبان‏، فقتل منهم مئة ألف وثلاثة وأربعون ألفاً، وأسر منهم ثلاثة عشر ألفاً، وغنم المسلمون منهم شيئاً كثيراً، من ذلك مئة ألف خيمة، ومن الخيل ستة وأربعون ألف فرس، ومن البغال مئة ألف بغل، ومن الحمر مثلها، ومن السلاح التام سبعون ألفاً، ومن العُدد شيء كثير.

ذاع خبر هذه المعركة في جميع الأقطار، وأمر ابن تاشفين أن يُكتب بخبر النصر وأن يرسل إلى إفريقية، ليُقرأ في المساجد في جميع مدن المرابطين، فعقدت صلوات الشكر على جانبي مضيق جبل طارق، في إفريقية وفي الأندلس، ابتهاجاً بإنقاذ الإسلام في بلاد الأندلس.

انتهت معركة الزلاقة بنصر عظيم رد سيل النصرانية الجارف عن الأندلس المسلمة بعد أن كاد ينذرها بالمحو والفناء العاجل، فغنم الإسلام حياة جديدة في الأندلس، امتدت أربعة قرون أخرى.

لقد انجلت الزلاقة عن يوم مشهود من أيام الإسلام، إنها تعني أكثر من هزيمة للنصارى، وأكثر من نصر للمرابطين.

ولمّا حصل لملك النصارى ما حصل في هذه المعركة، حلق لحيته ورأسه ونكس صليبه وركب حماراً وحلف لا يركب فرساً ولا يتلذذ بطعام ولا ينام مع امرأة حتى تنصره النصرانية‏، ثم طاف على ملوك الفرنج فجمع من الجنود ما لا يعلمه إلا الله عز وجل فاستعد له ابن تاشفين مرة أخرى فالتقيا في معركة أخرى فاقتتلا قتالاً عظيماً لم يسمع بمثله، فانهزم النصارى أقبح من هزيمتهم الأولى، وغنم المسلمون منهم نظير ما تقدم أو أكثر، واستحوذ السلطان على كثير من حصونهم وقلاعهم، ولله الحمد والمنة‏، حتى قيل إنه بيع الأسير بدرهم، والحصان بخمسة دراهم، والخيمة بدرهم، والسيف دون ذلك.

ومع كثرة ما خاض المجاهد يوسف بن تاشفين من معارك وحروب، إلا أن الله جل وتعالى شاء لهذا المجاهد أن يموت على فراشه مثل سيف الله المسلول خالد بن الوليد -رضي الله عنه-، توفي يوسف ابن تاشفين في بيته بمراكش يوم الاثنين الثالث من شهر محرم سنة خمس مئة للهجرة، وقد بلغ من العمر نحو مئة عام بعد حياة طويلة من الجهاد والبذل والعطاء، وحُكم حافل بجلائل الأعمال.

إن أبا يعقوب يوسف بن تاشفين أحد أولئك الرجال الأفذاذ الذين اصطفاهم الله لتغيير وجهة سير الأحداث في التاريخ، فهو الذي جعل من إفريقية الممزقة، دولةً عظيمةً موحدة، وهو الذي بث بما استحدث من نظم وأساليب إدارية روحاً قوية في القبائل والشعوب التي حكمها، وقد أفضت هذه الروح إلى تحقيق العجائب.

إن انتصار الزلاقة العظيم، لم يجعل أبا يعقوب يوسف بن تاشفين فاتحاً كبيراً فحسب، بل مجاهداً في سبيل الإسلام، وقد كان الإسلام على وشك الانهيار في بلاد الأندلس، فبث في الأندلسيين روحاً جديدة، وقوة عظيمة للثبات، أبقت الإسلام في الأندلس أربعة قرون أخرى، ووضعت حداً لمهزلة ملوك الطوائف، وأنقذت الأندلس من انهيار محقق، وحققت نصر الزلاقة العظيم الذي اهتزت له نفوس المسلمين في كل بقاع العالم الإسلامي.

إنه أبو يعقوب يوسف بن تاشفين الصوام القوام، الفاتح المجاهد، الفارس العبقري، المتواضع العادل، الذي جمع إلى حُسن الخِلقة والجسم، جمال الخُلق والإيمان، وجمع مع السلطان والإمارة، التواضع واحتقار الترف في الملبس والمسكن، فكان طعامه خبز الشعير، وشرابه لبن الإبل، وهذا التقشف متعه مع صفاء النفس بصحة بديعة، فعاش مئة سنة من الزمن مجاهداً في سبيل الله.

والحمد لله أولاً وآخراً وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد…

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *