الثالثة تيفي

مواقف و قضايا

حوارات وتقارير

عرب وعجم

القبيلة الغمارية تاريخ دولة وتأريخ ثورة

 

يعتبر بلدنا المغرب من البلدان الكثيرة التي ما يزال تاريخها وأدبها مدفونا بين دفات كتب ماتزال مغمورة في الخزانات الوطنية والدولية والمتاحف الغربية، إننا وبك حق نحتاج إلى نهضة جديدة تبدأ بفهم الماضي وتجديد الحاضر وربط السابق باللحق، ليتسنى معرفة الواقع والسير به نحو التجديد والانفتاح،لأن الجهود المبذولة من طرف المتدخلين لا تزال متواضعة وضعيفة وخجولة أيضا.

فنحن في محاولاتنا هذه نحاول أن ننفض بعض الغبار الذي غطى واجهة تاريخ قبيلة قديمة،كان لها دور كبير في التأثير في صيرورة التاريخ المغربي منذ الوفود الفينيقي والقرطاجي إلى أن جاء الإسلام وترسخت جذوره في هذا الوطن العزيز،ولا ننسى أيضا التلاقح الثقافي والأدبي والعلمي بين الضفتين طيلة ثمانية قرون، وإن هدفنا الأساس من هذا العمل هو إعطاء بعض اللمحات التاريخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية ،دعما لمميزات هذا المجال الجغرافي الذي ماتزال بعض من أسراره أو أجزاء كثيرة منه مدفونة بين دفات كتب ظهرت بعضها وماتزال كثير من أثارها في ظل النسيان ،هذه المنطقة التي تعتبر مفخرة التاريخ المغربي والأندلسي ،وذلك تبعا للأدوار التي لعبتها هذه القبائل في التاريخ المغربي.

ولكثرة القبائل وأدوارها وتاريخها، قررنا أن نركز في مقالنا هذا على إحدى أهم القبائل المغربية قدما، وأكثرها عراقة وتأثيرا في مفاصل هذه الدولة الكريمة، إنها القبيلة التي تقع في الشمال المغربي، والتي تعرف بقبيلة غمارة ،أو بقبائل غمارة المصمودية، هذه القبيلة التي لا يعرف تاريخ محدد لنشأتها وظهورها وبروز كيانها، وكل ما لدينا هو عبارة عن إشارات من مؤرخين مغاربة ومشارقة تحتمل الوجهان، لما فيها من المغالطات العديدة ، وهذا ما سنعمل على توضيحه من خلال هذه السطور المقتضبة.

أولا: القبائل الغمارية المفهوم والخصائص:

  • القبيلة الغماريةالمفوم والتاريخ:

هذه القبيلة لا يعرف تاريخ محدد لنشأتها وظهورها وبروز كيانها، وكل ما لدينا هو عبارة عن إشارات من طرف مؤرخين مغاربة ومستشرقين غربين ،كلامهم يحتمل الوجهان، ومحاولةمعرفةالتسميةالحقيقيةللقبائلالمغربيةقديمايتطلب مناعرضالآراءكلهاأوجلها علىالأقل،لأنالمصادر التاريخيةمازالتحتىالآنعاجزةعلىإقناعالقراءبالأصولالأولىلسكانهذهالديار،حيث يذكر ابن خلدون في كتابه العبر بعض ما يمكن أن نقول بأنه تأسيس ضمني لهذه القبيلة، حيث أعطى سببا غير مقنع لنشأة وتبلور تاريخ هذه القبيلة وربط تاريخها بنظرية هي في الأصل عربية قحة، وتعتبر غير مقنعة حيث يربط أصل التسمية الى مرجعين في التكوين الأول من حيث النسب والثاني من حيث الشرح اللغوي،…..من بطون المصامدة وما كان فيهم من الدول وتصاريف أحوالهم هذا القبيل من بطون المصامدة “من ولد غمار بن مصمود وقيل غمار بن مسطاف بن مليل بن مصمود وقيل غمار بن أصاد بن مصمود”‏.‏ ويقول بعض العامة أنهم غمروا في تلك الجبال فسموا غمارة وهو مذهب عامي وهم شعوب وقبائل أكثر من أن تنحصر‏.‏ والبطون المشهورة منهم بنو حميد ومتيوة وبنو نال وأَغْصاوة وبنو زروال ومجكسة وهم آخر مواطنهم يعتمرون جبال الريف بساحل البحر الرومي من عن يمين بسائط المغرب….1

  • التقسيم القبلي للقبيلة والدور الاقتصادي والسياسي عبر التاريخ:

كان للقبيلة دور اقتصادي كبير منذ العهد الفينيقي والقرطاجي والروماني، وتشهد الآثار الباقية لبعض المدن والمواقع التجارية على هذا الدور الكبير الذي لعبته المناطق الساحلية التي تطل على البحر الأبيض المتوسط،هذه السواحل التي كانت حلقت وصل بين التجارة الداخلية والخارجية، ومن أبرز الموانئ  التي استعملت في ذاك العصر نذكر ميناء ترغة وباديس وطنجة ومارتيل، وأيضا تمودة والعرائش…..

هذه المواقع الاستراتيجية جعلت منها قبلة للسفن الفينيقية والقرطاجية، التي جعلت من المنطقة محجا لها ولتجارتها أيضا مناطق استقرار مختلفة وقد تنوعت التجارة سواء البرية أو البحرية في هذه المنطقة وتطورت يوما بعد يوم ، والتي كان لها دور في تسيير الحركة الاقتصادية للمنطقة، ،ومن أهم القبائل التي كان لها دور محور في الصيرورة التاريخية للقبيلة نذكر ما يلي: قبيلة بني اكرير، قبيلة بن سلمان، قبيلة بن خالد ، قبيلة غزاوة، قبيلة متيوة، قبيلة بن زجل، قبيلة بن زروال، قبيلة بن زيات، قبيلة بني أحمد….

  • الأدوار الجهادية للقبيلة

لقد لعبت القبيلة الغمارية دورا مهما في استقرار الإسلام في المغرب وترسخ جذوره وتنامي قوته،وهذا واضح منذ الوفود الأول للفاتح المسلم عقبة ابن نافع 2حيث كان الفتح الأول للبلاد المغربية على يديه حيث توجه إلى هذه القبيلة واستمال أهلها إلى السلم والدخول في حوزة الخلافة الاسلامية الأموية ، وكما كان لها دور مفصلي في كثير من المعارك الحاسمة بين كثير من الدول المتوالية على حكم المغرب الأقصى ،ولعبت أيضا دورا حاسما في الدود عن وحدة الأندلس والتصدي للمد المسيحي فيها.

  • ثانيا: خصوصيات الحركة الفكريةوالأدبيةوالعلمية للقبيلة خلال مختلف الحقب:
  • خصوصيات الحركة الأدبية بالمنطقة وأهم مميزاتها:

تعتبر قبيلة غمارة من أكثر المناطق استقطابا للعلم للعلماء ،ومن أكثرها إنتاجا للمادة الأدبية والعلمية ،وتعتبر مدينة سبتة إحدى أهم العواصم العلمية لها ،وقد اهتم الغماريون  بتدريس كثير من العلوم المختلفة،وبنو كثيرا من المدارس في مختلفة التخصصات ،وقد اشتهرت هذه القبيلة دون غيرها بامتهان مهن الطب والتنجيم والسمياء والكيمياء، طيلة فترات حكم الدول المتعاقبة على حكمها،وتعتبر قصة الطبيب الغماري سعيد الغماري خير دليل حينما كان بحضرة يوسف ابن عبد المومن وخاطبه الخليفة بقوله، من عجائب الدنيا شاعر من كروان وطبيب من غمارة.3

ولا نستثني أيضا الوجود الكثيف للقضاة بهذه القبيلة ،حتى إن بلاد الشام استقبلت عددا لابأس به من القضاة  والفقهاء المالكية، وكانت هذه الظاهرة منتشرة في عصر بني مرين وكان أغلبهم من قبيلة غمارة، كالقاضي برهان الدين الصنهاجي وبدر الدين الغماري وكلاهما توفيا بدمشق ،و أحمد بن يعقوب الغماري قاضي حماة796ه وغيرهم4

ثانيا: أسباب غياب الأدب القبلي للقبيلة:

وكما أن التاريخ التأريخي للقبيلة مفقود ،فإن التاريخ الأدبي والفني والتراثي لها أيضا مفقود رغم وجود بعض الإشارات التي تنفي هذا القول ،لكننا لا نريد التلميح العابر ،بل نحن نطمح إلى تأريخ شامل لهذه القبيلة ،لأن ما أعطي لها من اهتمام جانبي هو في الأصل دون المستوى المطلوب في حقيقة الأمر، وإذا كانت العصبية القبلية ،بما هي عصبيات بدوية ،تقوض الدول وتبنيها في جدل لا ينتهي، ألم تكن هذه العصبيات تقوض العمران أيضا وتبنيه ،أي تبني وتهدم أخرى ؟أو على الأقل ،ألا تفسر لنا ضياع مادة أدبية هائلة ،بفناء المجموعات القبلية التي أنجبتها، أو بصمتها ادثرتها….وإلا فأين هو أدب الأدارسة، وبرغواطة، والخوارج الصفرية، وغمارة والنكور…؟ 5

فرغم التأثير الكبير لهذه القبيلة في شتى الميادين من التاريخ السياسي والاجتماعيوالاقتصادي والثقافي، إلى أن التاريخ الأدبي والعلمي والفني والتراثي الوطني لا يكاد يذكر إلا أسماء قليلة محتشمة، فحينما نرى مجالات ذكر هذه القبيلة فإنه لا يكاد ينحصر إلا في المجال السياسي فقط ،حيث الفتن والحروب والمآسي والجهالة كأن المجال الواسع الممتد من حدود تلمسان إلى نهر النكور لم ينتج إلا الثائرين والمتمردين والجهلة، كما يحدث ابن خلدون عن هذه القبيلة حينما تنبأ فيها حاميم:كانغمارةهؤلاءغريقينفيالجهالةوالبعدعنالشرائعبالبداوةوالانتباذعنمواطنالخير،وتنبأفيهممنمجكسةحاميم….6حتى أن العرب لما دخلوا ، المغرب، وجدوا الوثنية في جبال الريف وغمارة أقوى منها في أي مكان أخر…..7

  • في دور الدولة والمؤرخين بالتعريف بهذا التراث :

تتحمل الدولة جزء من كبيرا من هذا التقصير، وذلك للمناهج الدراسية الغير متكاملة، والتي تضع البعض وتترك الكثير،وتركز على تفاهات الأمور، متناسية القيمة الحقيقية لهذا الأدب، لتضع بذلك مناهج نسبية تسويقية، لا تلبي حاجيات المتعلم ولا طموحاته المعرفية، الراغبة في تلمس تاريخ ما يزال في أغلبه دفين مخطوطات مترامية الأطراف بين مكتبات العوام والخواص ،ولا ننسى أيضا أن تعقب المخطوطات المنهوبة لمن اختصاصات الدولة، التي لا يجب عليها أن تتساهل مع هؤلاء اللصوص ،لأن المنهوبات ماهي إلا تاريخ كتب وأريد منه أن يخفى لكي لا يرى أهله حقيقة بلادهم، لكن رغم هذه العثرات إلا أن الجهود الوطنية المبذولة من طرف الدولة تظل متوسطة على كل حال، وتترقى يوما بعد يوم رغم كل العقبات.

ولا ننسى أيضا الدور الكبير الذي يجب على الأدباء والمؤرخين أن يتحملوه إزاء هذا الإهمال للتاريخ المغربي الخصب ،ونزوعهم نحو الأدب المشرقي والغربي بحفاوة بالغة، متناسيين بذلك هذا الإرث الحضاري الكبير، وما ذلك إلا رغبة في الشهرة المنتهية أجلها، وفي الربح المادي القليل، إن الاهتمام بالتاريخ المغربي وأدبياته أمر لواجب على كل فرد، وخاصة الأجيال التي تتوفر على جميع ما يأهلها لذلك، من تكلونوجيا وحداثة وعلوم كانت قليلة أو منعدمة،لأن مفتاح المستقبل بيدهم،وهذا ما يوجب مزيدا من الاهتمام بهذه الأجيال الصاعدة عن طريق تحفيزها وترغيبها في السير قدما نحو بناء الذات المغربية المستقلة عن الجميع.

خلاصة:

لكل أمة لها تاريخ مكتوب ومسموع ،وتاريخ أمتنا تاريخ عريق ضارب في القدم يحسدنا عليه القريب قبل البعيد، والصديق قبل العدو ،فالأدب المغربي أدب دولة أدب شعب متعدد الثقافات متوحد الرؤى وموحد المصير، هي أرض المغرب التي لا ينضب مائها ولا تنقطع خيراتها ولا ينتهي أبدا صلحائها إنها أرض الخير أرض الولاية أرض التصوف فيها ظهر كبار الأقطاب الربانين بداية من الشيخ المجاهد العابد الزاهد عبد السلام ابن مشيش ،ومرورا بالقطب الرباني أبوا الحسن الشاذلي الغماري، وكما أنها أرض محروسة من كل الأخطار التي قد تحدق بها ،فهي أيضا محروسة من كل ما يجعل أدبها الفريد يندثر ،فهي مهد العلماء وأحد منابعها التي لا تنضب.

ولهذا وجب على جميع الفاعلين في الساحة العلمية والأدبية تكثيف الجهود وتقوية العزائم ورص الصفوف من أجل إعادة الاعتبار إلى كل الأدبيات المغربية من المدينة إلى البادية مرورا بالصحاري والبحار، فلكل مجال بيئة ولكل بيئة تاريخ تختص بها وتميزها ،إننا وبكل حق نحتاج إلى حركة علمية ثقافية جديدة ،تنفض عنها غبار التاريخ المشرقي القديم وتستقل بتاريخها المغربي الحديث والقديم، من أجل الانطلاق إلى المستقبل دون أي تعثر ولا رجوع ،والانطلاقة لابد لها من الزاد والزاد ينحصر في فتح أبواب التاريخ بمصراعيه للباحثين من أجد تفقد ما غاب واستتر من القضايا والأمور وربطها مع كل ما هو جديد .

الهوامش:

1:مقدمة ابن خلدون المسماة “ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبرر ومن عاصرهم من دوي السلطان الأكبر اعتنى به أبو صهيب الكرمي مطبعة بيت الأفكار الدولية الصفحة1659

2: عقبةابننافعهوالواليالوحيدمنولاةبنيأميةالمشارقةاللذيندخلواالمغربالأقصى –بروفنصال :نخبتاريخيةص 12

3:المغرب عبر التاريخ لمؤلفه إبراهيم حركات الطبعة 2009 الصفحة رقم 372

4:ابن العماد شذرات الذهب ج السادس ص:331.

5: فصول في نظرية الأدب المغربي والأسطورة لصاحبه الدكتور جعفر ابن الحاج السلمي ص 35 منشورات جمعية تطاون أسمير

6: فصول في نظرية الأدب المغربي والأسطورة لصاحبه الدكتور جعفر ابن الحاج السلمي ص 35 منشورات جمعية تطاون أسمير

7:المغرب عبر التاريخ الجزء الأول الصفحة 55 للدكتور ابراهيم حركات الدار البيضاء دار الرشاد الحديثية

 

نقلا عن: الشاون 24

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *