الثالثة تيفي

مواقف و قضايا

حوارات وتقارير

عرب وعجم

بداية مُرتبكة

ثمة تخوف ملحوظ بدأ يسري بين المواطنين، من أن تتحول جهودهم ومساهماتهم في صناعة انتصار 7 أكتوبر إلى سراب، أو إلى ماء صُبّ على رمل، وذلك بسبب التعثر غير المبرر ديمقراطيا في انطلاق مفاوضات تشكيل الحكومة الجديدة.

فعلى الرغم من التطمينات التي يبعث بها الأستاذ عبد الإله بنكيران رئيس الحكومة المعين، تفرض مؤشرات التردد الذي يطبع مواقف جل الأحزاب المعول على مشاركتها في الحكومة، نفسها على المشهد، وتوحي بأن بعضها ينتظر انبعاث ضوء أخضر أو ربما أزرق من مكان ما، لكي تحسم أمر المشاركة من عدمها، غير آبهة بصوت الشعب الذي ارتفع مدويا معلنا رفضه لأحزاب لا تملك قرارها، أو تُبدي استعدادها لتأجيره وكرائه تقربا وتزلفا.

طبعا لا جدية في التصريحات ولا البيانات التي أطرت الخرجات الإعلامية لبعض هذه الأحزاب، حيث استمرت في العزف على الوتر نفسه وإن على مقامات مختلفة فرضتها هزة السابع من أكتوبر، في وقت كان الأجدر أن تنطلق عملية مراجعة ومساءلة مباشرة بعد إعلان النتائج، احتراما للمواطنين الذين كانت كلمتهم هي الأعلى وسط كل الضجيج الذي أحدثه حزب معين كان يمني النفس بالرتبة الأولى، ليجود فيما بعد بحقائب ومناصب، على من ضمنوا له الاستمرار منذ سنة 2011، أولا بالاصطفاف إلى جانبه في معارضة “لغوية” (من اللغو) وثانيا ببيعها جزء مقدر من رصيدها النضالي التاريخي على عتبة ما يدعيه من قرب، وثالثا بتمكينه من عدد كبير من مرشحيها وأعيانها ليخوض بها الانتخابات، لتعود في النهاية بخفي حنين.

كان من المفيد جدا في سياق تأمين انتصار السابع من أكتوبر أن تظهر ملامح الأغلبية والمعارضة مباشرة بعد الأسبوع الأول، والحال أننا على بُعد أسبوعين ولا شيء قد حُسم، باستثناء إشارات من هنا وهناك تبقى مجرد آمال وأماني أفرزتها نشوة الانتصار، وإلا ما معنى أن يتوقف كل شيء فقط لأن حزبا اختار أن يعقد مؤتمرا لا معنى له في السياق الانتخابي، وبمعطيات غير مقنعة أو على الأقل لا تنسجم مع التوجه العام الذي أفرزته الانتخابات، وما معنى أن يعلن حزب يكاد أن ينقرض عن “وحدة برلمانية” من جانب واحد  مع حزب آخر، وما معنى أن يربط حزب ظل لخمس سنوات في الحكومة موقفه النهائي باجتماع يعرف الجميع أنه لن يكون إلا شكليا، وما معنى أن يصدر حزب منهك تنظيميا وانتخابيا ثلاث بلاغات في أقل من عشرة أيام مليئة بالضباب والجانب الواضح فيها مليء بالابتزاز وإن كان بغلاف تسهيل مهمة رئيس الحكومة المعين.

إننا للأسف نعيش محاولات حقيقية لاختطاف ما تحقق في الانتخابات من هبّة شعبية، وإفراغها من مضمونها، عبر المناورات التدليسية التي يقودها ما تبقى من شيء اسمه حزب الأصالة والمعاصرة، لكن أيضا عبر هذا التردد الذي يطبع مواقف باقي الأحزاب والتي يظهر أن جرعات من “سم التحكم” ما يزال يشل قدرتها على الوقوف على رجليها ورفع رأسها.

أمام كل هذا يتحمل حزب العدالة والتنمية المسؤولية كذلك، ليس لأنه الحزب الفائز فقط، ولكن لأنه يمثل بدون مبالغة أملا في المساهمة في معالجة أعطاب المشهد الحزبي، وانتشال الأحزاب التي ما تزال الذاكرة السياسية تحتفظ لها بالتجذر في المجتمع، وما يزال صدى معاركها السياسية والثقافية والإيديولوجية يتردد في أركانه، ويتحمل المسؤولية أيضا في ترجمة ما عبر عنه المواطنون من صمود ومقاومة لكل آليات الضبط والتوجيه وإصرار على منح تصويتهم طابعا سياسيا أظهر قدرا كبيرا من استيعاب ما جرى في البلاد خلال المرحلة السابقة، وانخراط غير مسبوق في حماية النموذج المغربي في استجابة واضحة لخطاب العدالة والتنمية.

هذه المسؤولية وبعد مراعاة التوازنات الأساسية التي تفرضها معطيات التاريخ وتعقيدات العلاقات داخل الدولة، تقتضي أولا التخلص من أوهام قد يكون حجم الضخ الإعلامي والإيحاءات المتناثرة من كل الجوانب، سببا في جعلها حقائق تجب مراعاتها، وهي في الحقيقة ليست سوى واحدة من أدوات التعطيل المقصود.

و مما تقتضيه المسؤولية الملقاة على عاتق العدالة والتنمية كذلك، الحرص على أن تكون الحكومة الجديدة حكومة سياسية يقل فيها صوت التقنقراط، مهما بدت مبررات القبول بهم مغلفة بهدف الانفتاح على الكفاءات وتجويد الإنجاز، أولا لأن الإشكال في المغرب ما يزال سياسيا ولن يكون له حل إلا بالسياسة، وثانيا لإعطاء الانتخابات قيمتها السياسية ولتثمين أصوات الناخبين وتشجيعهم على مواصلة المشاركة فيما يُستقبل من انتخابات.

إنها إذن بداية مرتبكة للأسف لمرحلة تُعقد عليها الآمال لتكون عنوانا لتثبيت الإصلاح السياسي، والحسم في الانتقال الديمقراطي، والمُضي نحو التفرغ للمشاكل الاجتماعية لإيجاد حلول لها، تحفظ كرامة المواطنين وتُحسّن علاقتهم بدولتهم ونخبتهم الحزبية، وتصحح تمثلاتهم حولها.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *