مدينة الرباط هي العاصمة السياسية للمغرب، وهي مقسومة إلى الرباط القديمة والرباط الحديثة، ويفصل بينهما سور المدينة الشاهق، في الرباط الحديثة، يدهشك جمال المدينة، حيث تجد نفسك تتجول في مدينة فسيحة نظيفة عامرة بالساحات الواسعة والحدائق والمنتزهات الأنيقة، لكنك ما إن تدلف من باب السور القديم متوجها لزيارة الرباط القديمة، حتى تجد نفسك داخل مدينة أخرى مختلفة تماما عما سبق أن كنت فيه، يستقبلك الفقر والبؤس فيحاذي خطوك أينما التفت، المباني متهالكة، والطرقات الضيقة والزنقات قذرة، يفترش أرضها البؤساء على الجانبين. وحين تواصل السير إلى السوق الشعبي تغرق في طوفان من الوجوه والروائح والأصوات التي تجرفك معها، لا تدري من أين أتت ولا إلى أين تنتهي، يطوقك كرنفال من الألوان المتنافرة، في هذا السوق تجد النعال معروضة بجوار اللحم، ورؤوس الخرفان المشوية إلى جانب أقفاص الدجاج، واحذر أن تنشغل بتأمل تلك الأقفاص فتعثر قدمك ببائع الحلوى الذي يفترش الأرض أمامك، وعلى خطوات منه تلوح لك الجلابيات المغربية الشهيرة معلقة وقد عمرتها رائحة الأعشاب المجاورة لها، وحين تقترب يؤشر لك البائع بيد تقبض على فنجان الشاي الأخضر يناديك يعرض عليك معالجة كل أمراضك بعشبة واحدة مما لديه.
ما يستحق الاحترام هنا، ما تراه من عزة النفس وسط كل ذلك الفقر، فلا إلحاح في الطلب ولا محاولات استغفال أو مخادعة، نفوس وإن أنهكها الفقر إلا أنه لم يستطع تشويهها. أما ما يخطف المشاعر حقا، فهو هذا الركض الشاق وراء الرزق، وأجمل ما فيه أنك تجد المواطن يعمل في كل مكان، النساء والرجال جميعهم يعملون في المطاعم والفنادق والبنوك والأسواق، لا أثر لوجه غريب. وإن كان اللسان غريبا، فلا تكاد تسمع سوى الفرنسية، ومما يؤلم أن اللغة العربية غائبة في معظم الأماكن، فقوائم الطعام وفواتير الحساب واللوحات العامة والإرشادات كلها باللغة الفرنسية، ويضاف إليها أحيانا اللغة الانجليزية، أما العربية، فتكاد تكون نسيا منسيا.
متى تعبت من التجوال، يمكنك الذهاب إلى زيارة جامعة محمد الخامس لتستمتع بحضور محاضرة عن النسوية في أدب المرأة السعودية، تلقيها أستاذة النقد الأدبي في جامعة الملك سعود الدكتورة سعاد المانع، ستجد نفسك غارقا وسط جمع من طلاب وطالبات الدراسات العليا في الجامعة برفقة أساتذتهم، يصغون باهتمام ويتابعون بشغف، تصغي إلى تعليقاتهم، فتبتئس مما هم عليه من فهم مغلوط لحياة المرأة في المملكة، يؤلمك أن صورة الحياة القديمة للمرأة في بلادنا ما زالت هي الراسخة في الأذهان، وعبثا تحاول أن توضح وتمحو، فما بني عبر قرون لا يمكن محوه في دقائق.
هناك بين جموع الحاضرين، يلفت نظرك شاب وسيم أنيق يسلم عليك مرحبا بك ليقدم لك نفسه بتهذيب بالغ، فتعرف أنه الملحق الثقافي السعودي في الرباط الأستاذ ناصر البراق، جاء يشارك في حضور ومتابعة هذا النشاط الثقافي حتى وإن كان طارئا غير مخطط له من قبل.
في نهاية رحلتك إلى المغرب، لا تنس أن تمر بالحمام المغربي التقليدي، هناك ستحس بمتاعبك تتسلل هاربة من تحت جلدك واحدة إثر أخرى، فتخرج خفيفا فارغا مهيأ لاستقبال الجديد مما تلده الأيام.