الثالثة تيفي

مواقف و قضايا

حوارات وتقارير

عرب وعجم

مفهوم التكامل المعرفي بين العلوم، شروطه المعرفية والمنهجية

أولا- مفهوم التكامل المعرفي 

تأخذُ بعضُ المصطلحات موقعاً أثيراً في الكتابات الفكريَّة والثقافيَّة، ويَشيع استعمالهُا دون أن يتمَّ تحديدُ دلالاتِها بصورة واضحة. ولذلك ليس من الغريب أن تجدَ المصطلحَ يُستخدم بدلالاتٍ مختلفة، وربَّما متناقضة ولعلَّ هذا هو الحال مع مصطلح التكامل المعرفي ذلك أنَّ المصطلح يُستخدم في كثير من الأحيان ليعني أنَّ شخصاً ما موسوعيٌ في معرفته وثقافته لأنَّه يُلمُّ بكثير من العلوم ولو كان إلمامُه من باب الثقافة العامة وليس المعرفة التخصصية[1].

“التكامل المعرفي” مركب وصفي یقتضي التعریف بشقّیه: “التكامل”، و”المعرفي”، أما التكامل فأصله من الفعل:كمُل ،َ وتدور مادة هذا الفعل حول التمام والجمال،قال في مختار الصحاح: تكامل الشيء: كمل، والتكمیل:الإكمال و الإتمام[2] وقال في اللسان: “تَكامَل الشيء وأَكْمَلْته أَنا،وأَكْمَلْت الشيء، أَي:أَجمْلْتُه وأَتممته،وأَكْمَلَه هو واستكْ مَله وكَمَّله:أَتَمَّه وجمَلَه[3]، فملاحظ في التكامل اعتبارات مادیة ومعنویة مدركة في تمام الشيء وخلو هّ عن كل نقص، وما ینطبع به ذلك الشيء من معاني الجمال والحسن ومواصفاته.

أما “المعرفة” فتعود في أصل اشتقاقها إلى الفعل الثلاثي عَرفَ ،َ والمعرفة كما في مفردات الراغب: إدراك الشيء بتفكّر وتدب ر لأثره،وهو أخص من العلم، ویضاد ه: الإنكار.. وهو تعریف أقرب إلى إیحاءات آیات القرآن الكریم من التعریف القائل:” هي إدراك ما لصور الأشیاء أو صفاتها أو سماتها وعلاماتها، أو للمعاني المجردة سواء أكان لها في غیر الذهن وجود أم لا[4]. وفي ضوء ما تقدم، یتبیّن أن المعرفة التي هي عملیة إدراك مستندة إلى تفكّر تستلزم أن یتحقّق مقصودها بأن تتكامل في تصو رّ الفرد والأمة وفق رؤیة كلیة، وأن یظهر ما لها من أبعاد عملیة وجمالیة تزیّن تلك العملیة الفكریة في نشاطها الحیوي الطبیعي، ولا یتمّ لها ذلك إلا إذا قامت على الوحي الموصوف بالكمال، وانطلقت منه في اكتشاف نوامیس الكون وقوانینه وسننه؛ بوصفه المصدر الرئیس للعلم والمعرفة،

وأنّه فوق إمكانات البشر وقدراتهم، وبعید عن میولهم وأهوائهم. وإذا كان ذلك كذلك، فإن التكامل المعرفي، یعني:الإدراك التامّ الواعي للحقائق المتصلة بالوجود الإلهي والكوني والإنساني ،وما ینتظم به من سنن، وما ینشأ عنه من علوم ومعارف، تظهر به الآثار العملیة والجمالیة للمعرفة في ربطها أجزاء ذلك الوجود وانتظام علاقاته وفق هدایة الوحي. وینعكس هذا المفهوم على واقع المعرفة حین یحدّد خط سیرها، ویقرر أن لا معرفة مثمرة یمكن أن تنشأ أو تقوم دون أن تستند إلى الحقیقة المطلقة المتمثلة في وجود الله تعالى التي تشكل المرجعیة الكلیة لها. وكل حقیقة تكتشفها المعرفة أو تنتجها لا قیمة لها إن لم تتصل بهذه الحقیقة المهیمنة. ویتضح من التعریف أن الإدراك الواعي لتلك الحقائق المتصلة بالوجود وفق ما أسسته الهدایة القرآنیة هو الضمان لعملیة ناجحة من التكامل الهادف إلى إعادة بناء العلوم وفق تلك الهدایة. وخلص بعض الباحثین إلى أن التكامل المعرفي هو تكامل مصادر المعرفة وهما: الوحي والوجود، وتكامل أدوات المعرفة وهما: العقل والحس، وتكامل مصادر المعرفة وأدواتها. وعلیه، فاستمداد المعرفة من الوحي یتطلب عمل كل من العقل والحس معاً، واستمداد المعرفة من الوجود یتطلب عمل كل من العقل والحس معا لكن یتمیز الوحي بوصفه مصدراً للعلم والمعرفة بالهیمنة والمرجعیة. ویجري هذا التكامل في مظاهر كثیرة، منها على سبیل المثال تشارك العلوم في دراستها للإنسان والكون والحیاة وفق الهدایة القرآنیة. وتشارك أصحاب الاختصاص في بناء علم ما وفق الهدایة القرآنیة… ولایقصد بالتكامل أن یقوم عالم ما بإنشاء علم متكامل بمفرده في وقت تسیر فیه المعارف والعلوم إلى تخصصات بالغة الدّقة[5].

وفي هذا الصدد يعرف الدكتور فايز مراد التكامل المعرفي بقوله: “هو تقديم المعرفة في نمط وظيفي على صورة مفاهيم متدرجة ومترابطة تغطي الموضوعات المختلفة بدون أن تكون هناك تجزئة أو تقسيم للمعرفة إلى ميادين منفصلة أو إلى الأساليب والمداخل التي تعرض فيها المفاهيم وأساسيات العلوم بهدف إظهار وحدة التفكير وتجنب التمييز والفصل غير المنطقي بين مجالات العلوم المختلفة.وعرفته الدكتورة بدرية الملا بأنه نظام يؤكد على دراسة المواد دراسة متصلة ببعضها لإبراز علاقات ، واستغلال هذه العلاقات لزيادة الوضوح والفهم وهو يعد خطوة وسطى بين انفصال هذه المواد وإدماجها إدماجا تاما”[6].

ويعرَّف التعليم التكاملي بأنه التعليم الذي يقوم على أساس ربط المباحث الدراسية حيثما أمكن، باستخدام أساليب وطرق تعليم وتعلُّم متنوعة، وربطها بالخدمات التعليمية للطالب، حتى يأخذ دوراً فاعلاً في تعلُّمه.

وعرفه تحسين يقين بقوله: “والتعليم التكاملي هو الربط بين المعلومات الواردة في المباحث الدراسية لأجل تثبيتها في ذهن الطفل ليصبح التعامل عن طريق الاستخدام وليس عن طريق التخزين فقط”[7].

ثانيا- شروط التكامل المعرفية والمنهجية 

بداية يجب أن نعرف أن التكامل المعرفي يتخذ عدة أشكال:

– التمامیة: حین یتجه نشاطان أو أكثر إلى ھدف مشترك.

– الحركة: حین یُستعمل نشاط ما أو یُأخذ من نشاط آخر المفاھیم، وذلك بواسطة فك حواجز المراكز مختلف الأنشطة، وإعطائھا حریة الحركة، حیث یكون بإمكانھا الانطلاق، فالمعارف والعلوم لیس لھا انطلاقة (بدایة) ولا نھایة، فھي في تغیرمستمر.

– الامتزاج أو الاختلاط: حین نبني نشاطا جدیدا، بإشراك أفراد من نشاطات أخرى مختلفة.

– المقابلة: تسمح بمقاطعة آراء حول موضوع أو تساؤل.

إن ھذه الاستعمالات تُبرز من دون شك المجال الواسع للتطبیقات الخاصة بالتكامل المعرفي، مما یجعله قابلاً للنظر والدراسة من جھة، وقابلاً للممارسة الواقعیة من جھة أخرى.

وفي هذا الصدد نذكر مجموعة من الشروط التي يجب أن يتوفر عليها أي مشروع للتكامل المعرفي وهي كالتالي:

أولا: أن مقاربة التكامل المعرفي تفرض نفسھا بحدة وبوضوح، بمجرد أننا نغیر نظرتنا إلى الواقع وإلى العالم وإلى الوجود. بحیث ندركi في صورة تشابك أنظمة ولیس مجرد صور معزولة لا علاقة بینھا. فإذا تناولنا المشروع من ھذه الزاویة، علینا أن ندرك مدى قابلیة المعرفة الإنسانیة على فرض نفسھا وانسجامھا مع متطلباتنا -كمسلمین وعرب وجزائریین-المتمیزة بثقافتھا الخاصة من جھة، والمتفتحة على العالم بما یمیزه من جھة أخرى. ولسنا بحاجة إلى توضیح ھذه الفكرة في ھذا المقام، فھي فقط واقع علینا أن نأخذه بعین الاعتبار.

ثانیا: التكامل المعرفي، ھو البحث في التداخل بین مختلف المعارف وتكاملھا انطلاقا من مشروع أو من إشكالیة قابلة للإدراك والحل في إطار عقلیة متفتحة. وعلیه لا ینبغي البحث عن التكامل المعرفي لأنه قیمة في ذاتھ وإلا حلت بنا مشكلة الدور، أي الوقوع في مشكلة المفھوم الذي لا مخرج منه

ثالثا: التكامل المعرفي مقاربة تفرض نفسھا بمجرد الحدیث عن مشكلة واقعیة تتعلق بمشروع أو موضوع أو مفھوم. بمعنى آخر الدعوة إلى التكامل المعرفي بوصفه طریقة، ینبغي أن تقترن بمشكلة، أي علینا أن نجیب عن السؤال: لماذا نحن بحاجة إلى تحقیق التكامل في مجال المعرفة ومجال التكوین؟ أو التساؤل، لماذا كانت النظرة الشمولیة الكلیة ضروریة، ومن أین تستمد ضرورتھا؟

رابعا: كما أن التكامل المعرفي یقتضي عملا جماعیا ومن ھنا كان الحدیث عن التكامل في مجال المعرفة غیر ممكن دون الحدیث عن التكامل في مجال الأنشطة والممارسات الأخرى، لتحقیق واقع مشبع ومسلح بمختلف النشاطات والتخصصات ذات الھدف المشترك. لأن التكامل المعرفي ھو قبل كل شيء اتحاد لكفاءات ذات أھداف مشتركة سواء في مجال الدراسة أو من أجل مشروع.

نستنتج مما سبق، أن فكرة التكامل المعرفي تقترن بحاجة الطالب  إلى توجیه من ناحیة، ومن ناحیة أخرى حاجة المعرفة التي یتلقاھا، إلى ما یكملھا. فما ھو خارج النشاط ھو ضروري بالنسبة للنشاط ذاته، حتى لا یكون ھذا النشاط في النھایة آلیًا وبالتالي عقیمًا.[8]

 

[1]  مفاهيم في التكامل المعرفي د.فتحي حسن ملكاوي

[2]  الرازي،محمد بن أبي بكر،مختار الصحاح

[3]  ابن منظور،محمد بن مكرم بن منظور،لسان العرب

[4]  الميداني،عبد الرحمن حسن،صوابط المعرفة

[5]  التكامل المعرفي في تدريس القرآن والقراءات يسرا بنت محمد الشاهد

[6]  قضايا في مناهج التعليم لرشدي لبيب وفايز لبيب منيا

[7]  التعليم التكاملي بين النظرية والتطبيق عطية العمري

[8]  التكامل المعرفي ودوره في التكوين الجامعي ذ.العمري حربوش

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *