الثالثة تيفي

مواقف و قضايا

حوارات وتقارير

عرب وعجم

الإرهاب كما تشرحه للصغار… والكبار

كتاب صغير في حجمه، كبير في معانيه ذاك الذي صدر في باريس في آب/ أغسطس الماضي عن دار «سوي» للنشر بعنوان «الإرهاب كما نشرحه لأطفالنا» للكاتب الفرنسي من أصل مغربي طاهر بن جلون. هدف الكتاب هو «تحرير الشباب من الخوف الذي استقر في أوروبا، وفي فرنسا بشكل خاص، منذ العمليات الجهادية الأخيرة التي تعرضت لها» وذلك عبر « إعادة رسم تاريخ كلمة إرهاب والحقائق التي يعنيها منذ بعض الحلقات الأكثر دموية في التاريخ وصولا إلى الأصولية الإسلامية التي طغت على أغلب الحوار».
المقصود بهذا الحوار هو الذي جرى بين الكاتب وابنته وامتد على طول الكتاب حيث كانت البنت التي أكدت أكثر من مرة أنها «ذات ثقافة إسلامية» تطرح كل الأسئلة الحائرة عن الإرهاب وعلاقته بالدين وعن مدى صدقية الاتهامات والمسلمات الغربية التي باتت ملتصقة بهذا الموضوع خاصة بعد أن بات كل عمل إرهابي في أوروبا بالخصوص يسقط فيه مدنيون أبرياء مقترنا بشكل دائم تقريبا بالإسلام والمسلمين والمهاجرين وما يثيره ذلك من لغط تختلط فيه الحقائق بالأكاذيب والخوف المشروع بالهوس المرضي، خاصة مع تدخل السياسيين واستغلالهم لهذه المناخات العليلة.
في هذا الحوار، لم تجامل البنت والدها وسألته عن كل شيء وفي كل شيء خاصة أن الوالد حرص على وضع الإرهاب، بعد أن حدد ملامحه الأساسية، في سياق تاريخي مستعرضا أبرز المحطات الإرهابية التي عرفتها الإنسانية، والتي لم يكن للإسلام أو المسلمين علاقة بها. لم يتردد الكاتب في التفريق بين الإرهاب والمقاومة ضد المحتل التي يسعى كثيرون عن عمد للخلط بينهما، كما لم يغفل علاقة بعض هذا الإرهاب بالمظالم الاجتماعية والفقر والبطالة والتهميش في صفوف المهاجرين العرب في أوروبا، وكذلك علاقته بالمظالم القومية والوطنية من خلال قهر الشعوب واحتلال أراضيها لا سيما بالنسبة إلى الفلسطينيين الذين استقرت قضيتهم في وجدان العرب والمسلمين على امتداد عقود.
ظلت البنت تسأل وتسأل.. والأب يجتهد في الشرح والتحليل بذهنية المسلم نشأةً، الفرنسي العلماني عقليــــةً، لشابة ترعرعت منذ صغرها في فرنسا، غير متنكرة لجذورها رغم أنها مثقلة بكثير من الحيرة. سألت: إعطني مفهوما للإرهاب، أي فرق بين العنف والإرهاب؟ من أول من مارسه؟ هل يجيز الإسلام الإرهاب؟ ما علاقة الإرهاب بالسياسة؟ هل هناك إرهاب مقبول وإرهاب مذموم؟ من هم هؤلاء الجهاديون؟ ما الذي أفرز ظاهرة «داعش» ؟ كيف يفكر هؤلاء وما الذي يريدونه بالضبط؟ هل هم مجانين؟ لماذا لا يخافون؟ أي قضية يموتون من أجلها؟ ما الذي يجعل شخصا متعلما ومثقفا يلتحق بتنظيم مرعب كهذا؟ لماذا تخاف أوروبا من الإسلام إلى هذه الدرجة؟ ما هي الإسلاموفوبيا؟ ما علاقة الإرهاب بعودة الإسلام بقوة إلى واجهة الحكم والسياسة بعد ثورة الخميني عام 1979؟ ما علاقته بالفكر الوهابي؟ ما خطورة التحاق شباب من المهاجرين العرب في أوروبا بالجهاديين في سوريا والعراق؟ كيف غذت بعض السياسات الفرنسية الأعمال الإرهابية ضدها خاصة مع هؤلاء السياسيين الحاليين وتدخلاتهم في إفريقيا، ووقوفهم إلى جانب إسرائيل، وسياساتهم العقيمة تجاه المهاجرين.
الهدف من كل هذه الأسئلة ومن كل الكتاب هو فهم كل هذه الأبعاد المعقدة لظاهرة الإرهاب وتجنب ذلك الفهم المسطح والجاهز والسريع المستشري حاليا في الأوساط الغربية. ذلك أن «الفهم هو بداية القبول فالقبول لا يعني الغفران أو النسيان ولكن هو التصدي لوهم القدرة على تغيير أي شيء في الماضي. القبول هو أن تنظر للوقائع وجها لوجه وفهم أن الحياة ليست نزهة جميلة حيث كل شيء رائع وكل العالم طيب وودي وكريم وخدوم».
أول مرة قابلت فيها طاهر بن جلون كانت عام 1981 لإجراء مقابلة صحافية معه لجريدة «الرأي» التونسية الأسبوعية. كنت بالكاد تخرجت من الجامعة، لم أكن أعلم عن الرجل شيئا ولم أقرأ له كتابا واحدا في حياتي، ولولا أسئلة الصديق خميس الشماري الذي أمدني بها في ضوء معرفته اللصيقة به صديقا في فرنسا لسنوات لما استطعت أن أجلس مع هذا الكاتب المغربي الشهير أبدا. وتشاء الصدف أن ألتهم كتابه الأخير هذا وأنا في المغرب، حتى ولو كنت في مراكش وليس في مدينته فاس.
عند الانتهاء من قراءة هذا الكتاب، الذي سبق أن كتب بن جلون على شاكلته كتابين حققا نجاحا مبهرا هما «العنصرية كما شرحتها لابنتي» و»شرح الإسلام للأطفال» أدركت أن الكبار مدعوون هم أيضا لقراءته لا سيما السياسيين الفرنسيين المائلين باطراد نحو الطروحات اليمينية المتطرفة. حتى رئيس الوزراء الفرنسي إيمانويل فالس الذي استقال للترشح للرئاسيات مدعو لقراءته أيضا فقد ذكـــر له في الكتاب أكثر من تصريح وموقف غير موفق… ينتعش به كل من يريد زيادة الماء إلى طاحونة إرهابه.

٭ كاتب وإعلامي تونسي

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *