الثالثة تيفي

مواقف و قضايا

حوارات وتقارير

عرب وعجم

سعيد يقطن يكتب: القطيعة الرقمية

لعل من الأسباب التي تدفعنا إلى طرح سؤال الثقافة الرقمية تصورنا للقطيعة وممارستها. إننا نرى أن الرقمي جاء ليجبّ كل ما كان قبله، ويقطع مع كل ما كان سائدا، وينقلنا من السباحة في النهر إلى المحيط.
وعلينا أن ننسى النهر لأننا في المحيط، غير مدركين أن كل مياه النهر تصب فيه؟ الثقافة الرقمية وليدة صيرورة. وما لم نتبين أصول هذه الثقافة سنظل نتعامل مع الإبحار الرقمي وكأنه جاء ليقطع مع كل ما هو شفاهي أو كتابي أو صوري أنتج في بلاد النهر.
هذه أولى معضلاتنا الثقافية العربية الحديثة: الإيمان بالقطيعة وتصديق كل ما كان يقال عن «الما بعديات»، و»الموت» (موت المؤلف، التاريخ، البنيوية) وكأنهما حقيقة أبدية. وينهض سؤال الثقافة الرقمية، وهو يتحدد من خلال كيفيات تفاعلنا مع ما هو رقمي، من خلال البحث عن المنجز الثقافي الذي يمكننا اتخاذه مرتكزا للانطلاق إلى ما هو رقمي. يمكننا تناول المنجز الثقافي السابق على المرحلة الرقمية من خلال الوقوف على سؤال الإبداع والدراسة الأدبية، لمعاينة الأسس والخلفيات التي تنهض عليها الثقافة الرقمية. ولعل آخر التطورات الإبداعية التي تحققت على مستوى الإبداع السردي عامة والروائي خاصة، وكانت من بين العوامل التي تحققت مع المرحلة الرقمية ما سميناه «التجريب»، واعتبره إدوار الخراط «حساسية جديدة».
لقد بدأ التجريب يتحقق في الغرب مباشرة بعيد الحرب الثانية. وجاء ليتجاوز مرحلة الواقعية على المستوى الشكلي تحت تأثير تغير النظرة إلى الواقع، وما صاحبها من تمثلات تكرست منذ القرن التاسع عشر (عصر الثورة التكنولوجية). فكانت فكرة تجديد الرؤية للراوي، وتكسير خطية الزمن، واعتماد التشظي في صياغة البنيات السردية والحكائية، إعلانا لرؤية فكرية وجمالية جديدتين تعبران عن تحول عام في رؤية العالم. فالأفكار الكبرى حول دور الفرد مع الرأسمالية، والحزب مع الاشتراكية لم يؤديا إلا إلى تأكيد أننا أمام عصر جديد قوامه عدم الإيمان بالحقائق الكبرى، وشبه المطلقة. برز لنا ذلك في الانتقال من «الراوي» العليم الذي يعرف كل شيء، ويوجد في كل مكان، والمتعالي على عالم «القصة»، ليس سوى وهم. وأن الضرورة تقتضي تعدد الرواة، لكي نستمع إلى كل منهم، ونتبين وجهات نظرهم. وظهر ذلك أيضا في تجاوز «منطق» خطية الزمن التي تؤكد الانتقال من مرحلة (الإقطاعية فالرأسمالية فالاشتراكية) فكان تكسير الخطية والبنيات الكلية المتسلسلة دليلا على تحول النظرة إلى الزمن والتاريخ. فالانتقال بين الأزمنة عبر المفارقات الزمانية، وتداخل الخطابات حسب الصيغ، بحث عن المتواري والنسبي. وكان ذلك إيذانا بجمالية جديدة، تختلف عن جمالية القرن التاسع عشر التي امتدت إلى أواسط القرن العشرين.
هذه التحولات التي طرأت على صعيد الإنتاج الروائي، ستبرز أيضا على مستوى الدراسة الأدبية التي صارت بدورها تقلل من دور الإيديولوجيا، بل ترمي إلى تجاوزها لأنها كانت تصور العالم حسب الرغبة التي كانت مهيمنة في تغييره، حسب الرؤى التي تشكلت في قرن الثورة الصناعية. فجاءت التصورات العلمية للأدب، في الستينيات من القرن العشرين، لتؤكد ضرورة إعادة النظر في الإبداع ومحاولة فهمه قبل تفسيره. فكان الانطلاق من اللسانيات والعمل على فهم العلامات التي ينتجها الإنسان. وجاءت السيميائيات في الاتجاه نفسه لتنفتح على مختلف العلامات. وكان لتطور الوسائط الجماهيرية والسمعي البصري دوره الكبير في إنتاج خطابات جديدة تطور الخطاب الأدبي وتجدده (الرواية والسينما مثلا). هذا التعدد في الرؤيات الجمالية والفكرية والوسائطية، هو ما كنا نلمسه في مقولات تعدد العلامات والرؤى واللغات والتفاعل النصي، وصولا إلى جماليات التلقي.
يبدو لنا ذلك واضحا في بداية الإحساس بإكراهات النص الورقي وحدوده في التعبير عن مختلف القضايا التي باتت تشغل الإنسان وتؤرقه على المستويات كافة. فصار الروائي يوظف البنيات غير النصية في روايته (اعتماد الصور، إدراج المقتطفات من الصحف كما نشرت في الأصل، وفي مجال الشعر بدأت تظهر أشرطة صوتية تصاحب الديوان)، كما بدأت الصفحة في الرواية تنشطر إلى قسمين: نص وهامش. وفي كل منهما نقرأ نصا مختلفا، ولكنه يترابط معه، ويتعلق به. وصار هذا يذكرنا بالمخطوطات التي صارت مع التطور توظف جوانب من الصفحة لتقديم نص مختلف عن الأصل، وتوظف الألوان إلى آخره من الإضافات التي بينت لنا إكراهات النص الورقي. إننا في مختلف هذه الإشارات نبين أن لكل وسيط حدوده، وأن الإبداع يعمل على تجاوزها بخلق إمكانات جديدة تتعدى ما بات عائقا دون التجريب والتطوير. ويمكن قول الشيء نفسه عن الفكر الأدبي. إنه وهو يتطور مواكبا الإبداع الخلاق، يساير التحولات الطارئة على مستوى البنيات الاجتماعية والاقتصادية ومجمل العلاقات بينها. لذلك فجمالية التلقي، والتفاعل النصي، وإعادة النظر في البنيات المختلفة ليس سوى تطور في سبيل فهم الظواهر وهي تتجدد وتتغير.
إن الانخراط في الثقافة الرقمية ليس قطيعة مع الماضي. إنه تطوير لوسائط الإنتاج وللفكر الإنساني. وبدون تشكيل الثقافة الرقمية على خلفياتها المعرفية، لا يمكننا الإبحار أبدا.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *