الثالثة تيفي

مواقف و قضايا

حوارات وتقارير

عرب وعجم

الفيسبوك يسيطر على أفكار مستخدميه و يوجه آراءهم و يحدد اتجاهاتهم

مع التطور الكبير في مجال الاتصالات وثورة الإنترنت التي يشهدها العالم، كان ظهور مواقع التواصل الاجتماعي كأحد أهم الاختراعات ، لا سيما الموقع الأكبر والأشهر “الفيسبوك”، والذي انتشر في كل أرجاء العالم، بدايته كانت في الولايات المتحدة، ومنها صدر إلى جميع البلدان، ومع انتشاره بين فئات العمر المختلفة وتعدد مجالات استخدامه، أصبح “الفيسبوك” أحد المؤثرات الرئيسية والموجهة للسلوك العام، بما جعله يتحول من مجرد موقع تواصل اجتماعي إلى أداة وسلاح يمكن من خلاله فعل الكثير.
يقدر مستخدمو “الفيسبوك” حول العالم بحوالي مليار وثلاثمائة مستخدم نشط شهريا، بحسب إحصائيات حديثة، ويتركز معظمهم في الولايات المتحدة وأوروبا، ويوجد منهم في الوطن العربي أكثر من 200 مليون مستخدم، وعلى الرغم من أن الهدف الرئيسي للفيسبوك في البداية كان جمع الناس معا من أجل التواصل، أصبح له الكثير من الآثار السلبية على المجتمعات سواء بقصد أو بغير قصد، وذلك بعد ما اكتسب الكثير من شعبيته، وأصبح يؤثر سلبيا على الإنتاجية والحياة الاجتماعية والسياسية.
ويشير متخصصون إلى أنه من أبرز التأثيرات السلبية للفيسبوك، أنه ينسج خيوطه حول عقل المستخدم ويسيطر على كل حواسه وشعوره وسلوكياته، في عالم افتراضي بمعزل عن العالم الحقيقي، وإهدار الطاقات والوقت والجهد، وذلك بخلاف كل ما يعانيه الشخص من صراع نفسي ليبقى الأفضل والأكثر حصولا على إعجاب وعدد أصدقاء بين أقرانه.
كذلك فإن الفيسبوك يدمر مهارات الاتصال لدى الشخص، فبسبب وسائل التواصل الاجتماعي التي من المفترض أن تساعد على التواصل، أدت إلى فقدان التواصل الحقيقي، وبالتالي يصبح لدى المرء صعوبات في التواصل الفعال مما يؤثر سلبا على العلاقات الإنسانية، والتي تعتبر مهمة للصحة النفسية للشخص، كما له تأثيره المدمر على المهارات الإبداعية، كونه يعطل قدرات العقل على الابتكار والإبداع، بالحصول على ما هو متاح وتقليدي من أجل الإعجاب، وزيادة “اللايكات”، بل إنه أحيانا يصنع نجاحا وهميا بكثرة الإعجاب والثناء.
وقد أكدت الدراسات أن الفيسبوك من أكثر الوسائل التي تهدر الوقت، فالكثير لا يشعر بالوقت الذي استهلكه في مشاهدة أحداث حياة الآخرين أو مشاركتهم، وهو ما جعل الأمر يتحول إلى مرض نفسي، ققد يظن الشخص أن الوقت الذي يقضيه على الفيسبوك هو وقت الفراغ، على الرغم من أنه يمكن أن يستفاد منه في أشياء تعود بالنفع، مثل: تعلم شيء جديد أو القيام بالمهام اليومية.
ويوضح علماء النفس، أن الفيسبوك يصيب بالإحباط، حيث أنه ومع ظهوره زادت نسبة الإصابة بالاضطرابات النفسية، من خلال الشعور بعدم الرضا عن الوضع الحالي بكل جوانبه، من خلال مشاهدة أوضاع وأسلوب الحياة، والمستوى المعيشي للآخرين، وفي جميع أنحاء العالم، مما يجعل الفرد ساخطا على وضعه ورافضا لحياته وربما لأسرته.
هذا ويعتبر اقتحام خصوصيات مستخدميه من أكبر المشاكل التي يسببها الفيسبوك، فهو لا يضع أي حدود أو التزامات بضوابط مع معلومات وخصوصيات مشتركيه، ولا يعطي أي اعتبار لحياتهم الخاصة، وينظر إليها على أنها ملكه ويستطيع الاطلاع عليها بل وتوجيهها كيفما يشاء.
وفي دراسة أجراها موقع “الفيسبوك” على حوالي سبعمائة ألف من مستخدميه عبر أسبوع كامل، كشفت نتائجها عن حدوث “عدوى” بين المستخدمين في المشاعر الإيجابية والسلبية، مما يعني أن الشعور والاتجاهات والمواقف تعتمد إلى حد كبير على ما تراه وتتابعه من منشورات على الفيسبوك.
وقامت الدراسة على التلاعب بنوع المنشورات التي تظهر على الصفحات الشخصية للمستخدمين، لتقلل مرة عدد المنشورات ذات المحتوى الإيجابي، وتزيد مرة أخرى عدد المنشورات السلبية بشكل ملحوظ، وهو ما أظهر أن مستخدمي فيسبوك يتميزون بنوع من “العدوى العاطفية”، التي تجعلهم يتضامنون أكثر مع المنشورات التي تحمل رسائل سلبية، وينشرون محتواها، وما يساعد على انتشار الطاقة السلبية التي تمثل خطورة على الصحة النفسية والاجتماعية.
ولعل أهم ما أكدته تلك الدراسة هو إمكانية تلاعب “فيسبوك” بمشاعر مستخدميه وميولهم وأفكارهم في المستقبل لأغراض معينة، وهو ما يزيد من خطورته، ويجعله سلاحا ذا حدين.
وهنا يقول د. عبدالعال محمود، أستاذ علم النفس الاجتماعي بجامعة حلوان: المستخدم يخيل له أن “فيسبوك” يتبعه ويمتثل لأوامره، وإنما الحقيقة أن الفيسبوك يسيطر على مستخدميه، ويجعلهم رهينة بشكل فعلي لما يمليه عليهم، موضحا أنه من الأفضل بدلا من التواصل في الفضاء السيبراني، التواصل مع آخرين سواء في محيط العمل أو من خلال الأقارب والأصدقاء، وهو عامل إيجابي مهم لصحة الإنسان النفسية، لافتا إلى أن المشاعر والصراعات النفسية التي تحدث في موقع فيسبوك تؤثر بشكل سلبي على حياة الإنسان وحالته النفسية، مشيرا إلى أن الحياة فقدت الكثير من المشاعر الإنسانية بدخول مواقع التواصل إليها.
وينصح محمود للتخلص من سيطرة الفيسبوك والخروج عن سطوته، التقليل من استخدامه تدريجياً، واستغلال الوقت الذي يفقده الإنسان في متابعته، في القراءة أو الرياضة وممارسة الهوايات الأخرى، كذلك تحويل هذا العالم الافتراضي إلى عالم واقعي من خلال مقابلة أصدقاء الفيسبوك في الحقيقة، وعقد ندوات وحلقات نقاش خارج إطار الإنترنت.
وعلى الرغم من سلبيات مواقع التواصل الاجتماعي، يرى د. شريف عوض، أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاهرة، أن مواقع التواصل و”الفيسبوك” وسيلة للتعارف والتواصل الاجتماعي بين الأفراد بل والمجتمعات المختلفة، فكان له الفضل في تخطي الحواجز المكانية والحدود، وهو ما أحدث طفرة في العلاقات الاجتماعية، قربت بين الثقافات وخلقت جيلا ذا وعي عال ومثقف ومدرك.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *