الثالثة تيفي

مواقف و قضايا

حوارات وتقارير

عرب وعجم

رسائل النور والقيم في مسلسل “قيامة أرطغرل”

“قيامة أرطغرل” هو مسلسل تاريخي تركي، يحكي عن أب عثماني مؤسس الدولة العثمانية، وهذا المسلسل هو عمل متقون وجبار إضافة إلى ذلك أنه يحتوي على رسائل قوية جدا، فهو يحكي لنا ما نعيشه في عصرنا الحالي، كما أنه أيضا يُحيي روح التفاؤل وعدم الاستسلام، وما يميز هذا المسلسل أنه خال من لقطات القُبَلِ واللقطات الفاضحة أو الخادشة للحياء، المسيئة للقيم الإسلامية، وهذا ما يجعل المرء يشاهده مع أسرته وعائلته بكل أريحية، ودون حرج.

هذا المسلسل الذي اعتبره البعض أنه يحكي عن أحداث غير حقيقية وأن مشاهدته مضيعة للوقت، أقول لهؤلاء أن تفكيركم مجانب للصواب، وأننا لا نشاهد المسلسل باعتباره مصدرا تاريخيا، فمتى كانت المسلسلات مصدرا للأحداث التاريخية؟!. فمن أراد أن يعرف تاريخ العثمانيين أو أي تاريخ كان، فليقرأ الكتب التاريخية، أما المسلسلات فهي تركز على الإبداع والخيال والدراما، فنحن نشاهد هذا المسلسل باعتباره عملا فنيا نظيفا يحتوي على رسائل قوية وفوائد وعبر جميلة.

ومن الرسائل التي يركز عليها المسلسل هو الارتباط بالله تعالى والتوكل عليه؛ فمن يشاهد هذا المسلسل فسوف يلاحظ هذه الرسائل، تتمثل في الدعاء والصلاة قبل أداء أي عمل، فهاهو بطلنا أرطغرل حين عزم على إنقاذ زوجته حليمة التي كانت مختطفة، قام من الليل وتوضأ وصلى ركعتين ودعا الله تعالى أن يوفقه وينصره في هذه المهمة.

ومن الرسائل الإيجابية أيضا أنه يربط الانتصار والنجاح بالله تعالى، وقد تمثلت ذلك عندما نجح أرطغرل في اقتحام قلعة فرسان الهيكل، نسب هذا النصر إلى الله تعالى ولم ينسبه إلى نفسه. وقد تكرر الأمر في مواقف مختلفة من أحداث المسلسل.

كما أن المسلسل يركز على الأسرة وأهميتها، ويركز أيضا عن تقاليد جميلة تتمثل في تجمع الأسرة حول مائدة الطعام وأن الأب هو من يبدأ أولا باعتباره الأكبر سنا، حيث يتقاسم الطعام مع أهله وبشكل جميل، وهو أدب إسلامي رفيع.

كما أن المسلسل يقدم رسائل مهمة للحكام والسياسيين، من بينها:

وجود نوعين من الأعداء، عدو خارجي وعدو داخلي. فأما العدو الخارجي فهو معلوم ومعروف، لأنه ظاهر العداوة مكشوف للعيان .

أما العدو الداخلي فهو الأخطر، وهم المعروفون ب “الخونة”، وهذا العدو قد يكون من أقرب الأقربين كالأخ أو العم … وقد يكون من الأصدقاء أو من نفس حزبك أو جماعتك، والأكثر من ذلك أنه يظهر مساندته لك، ولكن في حقيقة الأمر أنه يخطط للانقلاب عليك. فهذا العدو وجب كشفه وإزاحته. وهذا المسلسل يساعدك على كيفية التعرف على هؤلاء الخونة وكيفية التعامل معهم.

اردوغان-إنجين-التان-30-630x412

ومن الرسائل السياسية للمسلسل أنه يعطيك نموذجين من الحكام، حاكم ذو همة ضعيفة وعين قصيرة النظر، ولا يفهم مقاصد الأمور ولا مآلاتها، وقد تمثلت في “جوندوغدو” الأخ الأكبر لأرطغرل، فهذا النوع من الحكام يَسْهُلُ خداعه، وذلك بأن توفر له لقمة العيش فقط، وهو ما يُصطلَحُ عليه في لهجتنا بالشخص “الخبزي”. أما النوع الثاني من الحكام، هو ذلك الشخص ذو همة عالية، وذو طموح عال جدا، وأنه مستعد لتجاوز التحديات كيفما كانت صعبة، إضافة لذلك فإن لديه هدف كبير يسعى إلى تحقيقه ولو كانت طريقه عسيرة، كما أنه يفكر في مساعدة المظلومين ومحاكمة الظلمة كيفما كانت قوتهم، إضافة إلى ذلك أنه لا يستريح حتى يحقق مطالب المظلومين ويعاقب الظلمة، كما أن لديه عين مُبْصِرَةٌ وطويلة النظر، ويفهم مقاصد الأمور ومآلها، فهذا النوع من الحكام يصعب بل ويستحيل خداعه، وقد تمثلت هذه المواصفات في أرطغرل.

ومن القضايا والرسائل المهمة التي يسعى البرنامج إلى ترسيخها في أفكارنا هي قضية المرأة. فعادة المسلسلات الرومانسية ترسخ لنا أن المرأة ضعيفة ولا تصلح لشيء، وأنها سهلة الخداع… ولكن هذا المسلسل قضى على هذه المفاهيم الكاذبة، وأظهر لنا أن للمرأة دور مهم وكبير في صناعة الأجيال، وأن وراء كل بطل امرأة عظيمة. فالأم هايماناه ( أم أرطغرل ) أم قوية جدا، وكل من يشاهد المسلسل سيلاحظ الدور المهم التي تقدمه هذه المرأة العظيمة وكيف أنها ربت أبناءها ووجهتم وأثرت فيهم إيجابيا وغرست فيهم حب الدين والوطن، وكيف أنهم يناقشونها في همومهم ويستشيرونها في الأمور الاجتماعية والسياسية، كما أن لها دور كبير في ترسيخ المبادئ والقيم الدينية لأبنائها.

هذا المسلسل هو رسالة قوية إلى كافة المنتسبين إلى البلدان العربية والإسلامية بأن يفكروا في إنتاج مسلسلات تاريخية عن أبطالهم، ويبرزو محطات من تاريخهم المجيد حتى يعرفوا الأجيال اللاحقة بتاريخهم ونضال أجدادهم وتضحياتهم، فالشباب الآن والأجيال الصاعدة أصبحوا لا يهتمون بالمكتوب كثيرا. وقد أصبحت الأفلام والمسلسلات أكثر تأثيرا على ما يقوم به العلماء والخطباء والوعاظ. فكم من لقطة في ثانية واحدة من فلم معين دمرت وهدمت ما يمكن أن يبنيه العالم منذ سنوات. فالمجال المرئي أصبح أكثر خطورة، وله تأثير كبير. لذا فعلى المخرجين أن يفكروا في إنتاج مسلسلات وأفلام ذو قيم أخلاقية رفيعة جدا، تساعد في تربية الأجيال الصاعدة. فما أحوجنا الآن إلى مسلسلات وأفلام لها رسائل دينية وتربوية كمسلسل “قيامة أرطغرل”.

فأرجو  من الله تعالى أن يوفق المخلصين من أبناء أمتنا خصوصا أهل الفن والسينما، حتى نشاهد أعمالهم الفنية متقنة مشوقة ممتعة، ذات رسائل بانية ومنعشة للفكر والروح، وملهمة لنظر وعقول الأجيال، كهذا المسلسل العظيم، ولكن بصناعة عربية.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *